أسامة العمري.. عندما تبحث المرحلة عن رجلها بقلم: مالك خليفة

أسامة العمري.. عندما تبحث المرحلة عن رجلها
بقلم: مالك خليفة
كاتب صحفي ورئيس تحرير Suda.news
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الشعوب، لا يكون السؤال الأهم: من يريد أن يحكم؟ بل: من يستطيع أن يتحمل مسؤولية وطن أنهكته الحرب، وأثقلته الجراح، وتفرقت به السبل؟
وفي ظل ما يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية عن أسماء مطروحة لقيادة الجهاز التنفيذي في السودان خلال المرحلة المقبلة، يبرز اسم الدكتور أسامة الفاتح العمري بوصفه أحد الأسماء التي تستحق التوقف عندها، لا من باب الترويج لشخص، وإنما من باب البحث عن المواصفات التي يحتاج إليها السودان في هذه المرحلة الدقيقة.
وأكتب عن الدكتور أسامة العمري من واقع معرفة شخصية وصداقة ممتدة، ولذلك فإن شهادتي فيه ليست مبنية على صورة إعلامية عابرة، ولا على ظهور ارتبط بظرف سياسي طارئ. لقد عرفته إنسانًا قبل أن أعرف رؤاه السياسية والفكرية؛ قريبًا من الناس، مهمومًا بقضاياهم، ومؤمنًا بأن خدمة الوطن لا تبدأ من كرسي السلطة، بل من خدمة الإنسان.
وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم نقاط قوة الرجل.
فالسياسة في السودان عانت طويلًا من انفصال الخطاب عن حياة الناس، ومن اتساع المسافة بين من يتحدثون باسم المواطن ومن يعيشون معاناته. أما الدكتور أسامة العمري، فقد كان العمل الإنساني والطوعي جزءًا أصيلًا من تجربته، لا نشاطًا موسميًا فرضته حسابات السياسة.
لكن الجانب الإنساني وحده، على أهميته، لا يكفي لقيادة دولة تواجه واحدة من أعقد أزماتها في التاريخ الحديث. والسودان اليوم يحتاج إلى عقل يقرأ الأزمة في جذورها، لا في مظاهرها فقط؛ وإلى رؤية تتجاوز إدارة الصراع نحو إعادة بناء الدولة.
ومن يتابع كتابات الدكتور أسامة العمري ومقترحاته ودراساته يلحظ انشغاله المستمر بالسؤال الوطني الكبير: كيف يخرج السودان من أزمته؟ وكيف يمكن الانتقال من دولة تستنزفها الصراعات إلى دولة تقوم على المؤسسات والتنمية والمواطنة والمصلحة الوطنية؟
لقد ظل العمري يطرح رؤى تؤكد أن حل الأزمة السودانية لا يمكن أن يكون مستوردًا بالكامل من الخارج، وأن المبادرات الإقليمية والدولية، مهما كانت أهميتها، لن تصنع سلامًا مستدامًا ما لم يسندها مشروع وطني سوداني حقيقي. كما قدم رؤى تتصل بعلاقة السودان بدول جواره، وكيف يمكن تحويل الجغرافيا من مصدر للتوتر إلى مساحة للتعاون والتنمية والمصالح المشتركة.
هذه ليست ترفًا فكريًا في بلد مزقته الحرب، بل هي أسئلة الدولة المقبلة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، ولا إلى إعادة إنتاج الصراعات القديمة بوجوه جديدة. إنه يحتاج إلى شخصية تستطيع أن تقف على مسافة من الانقسامات الحادة، وأن تنظر إلى السودان كله بوصفه وطنًا واحدًا، وأن تدرك أن مهمة المرحلة ليست تحقيق انتصار سياسي لفريق على آخر، وإنما إنقاذ الدولة نفسها.
ومن خلال معرفتي بالدكتور أسامة العمري، أستطيع القول إن أكثر ما يميزه هو أنه لا يتعامل مع السودان باعتباره ساحة للمغانم السياسية، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية. وهذه الصفة، في زمن أصبحت فيه الثقة عملة نادرة، تستحق أن توضع في ميزان الاختيار.
إن الحديث عن أي ترشيح لرئاسة الوزراء يجب ألا يتحول إلى حملة مبكرة لتوزيع المناصب، ولا إلى معركة بين الأسماء. المطلوب هو نقاش وطني حول المعايير: من يملك الرؤية؟ من يستطيع جمع السودانيين؟ من يفهم الداخل ويتعامل مع الخارج؟ من يستطيع أن يضع الإنسان السوداني في قلب مشروع الدولة؟
وفي تقديري، فإن الدكتور أسامة الفاتح العمري يملك كثيرًا من هذه المقومات.
قد يختلف الناس حول الأشخاص، وهذا حق مشروع، لكن السودان لا يحتمل أن نحاكم أبناءه بالشائعات أو الانطباعات المسبقة. من حق كل اسم يُطرح للمسؤولية العامة أن يخضع للنقد والتقييم، ولكن من واجبنا أيضًا أن نقرأ سيرته، ونفحص أفكاره، ونزن تجربته بميزان العدل.
الدكتور أسامة العمري ليس رجلًا ظهر فجأة عند أبواب السلطة. لقد سبق حضوره الإنساني أي حديث عن منصب، وسبقت أفكاره ومبادراته ما يتردد اليوم من ترشيحات.
ولذلك، فإن السؤال ليس: هل يبحث أسامة العمري عن المنصب؟
السؤال الأهم هو: هل أصبح السودان، في هذه اللحظة التاريخية، يبحث عن رجل بمواصفات أسامة العمري؟
إنها مرحلة استثنائية، والمراحل الاستثنائية لا تحتاج إلى السياسي التقليدي بقدر ما تحتاج إلى رجل دولة؛ إنسان يعرف آلام الناس، ومفكر يمتلك رؤية، وقائد يدرك أن السلطة تكليف لا تشريف.
ومن واقع معرفتي بالرجل، أقولها شهادةً أمام التاريخ:
أسامة الفاتح العمري اسم يستحق أن يكون حاضرًا بقوة في أي نقاش جاد حول قيادة المرحلة المقبلة في السودان.
فربما تكون بعض المراحل هي التي تصنع رجالها، وربما تكون بعض الرجال قد أعدتهم سنوات العطاء والفكر والتجربة للحظة تحتاج إليهم فيها أوطانهم.
والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى رجل المرحلة.