لمن يهمه الأمر بقلم :إدريس هشابه حين يقود رئيس الدولة سيارته… ما الذي أراد البرهان أن يقوله للخرطوم؟

لمن يهمه الأمر
بقلم :إدريس هشابه
حين يقود رئيس الدولة سيارته… ما الذي أراد البرهان أن يقوله للخرطوم؟
ليست كل الصور التي تلتقطها عدسات الكاميرات مجرد صور، فبعضها يتحول إلى نص سياسي كامل، يقرأ ما بين السطور أكثر مما يقرأ داخل الإطار. ولعل المشهد الذي ظهر فيه رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وهو يقود سيارته بنفسه في شارع النيل بالعاصمة الخرطوم، ينتمي إلى هذا النوع من المشاهد التي تتجاوز قيمتها البصرية إلى ما تحمله من دلالات سياسية ونفسية ورمزية.
فالخرطوم ليست شارعًا يعبره رئيس الدولة، وإنما مدينة خرجت لتوها من واحدة من أعنف الحروب التي عرفها السودان في تاريخه الحديث، وكل حركة فيها أصبحت تحمل معنى، وكل ظهور لمسؤول كبير فيها يبعث برسالة تتجاوز حدود المناسبة.
واللافت في تجربة البرهان، منذ اندلاع الحرب، أن الرجل لم يحصر دوره في إدارة العمليات العسكرية أو ممارسة مهام رئاسة الدولة من خلف المكاتب المغلقة، بل اختار أن يكون حاضرًا في المشهد العام بصورة تكاد تكون يومية؛ تارة بين الجنود في خطوط النار، وأخرى وسط المواطنين في الأسواق، وثالثة في مواقع الخدمات والمؤسسات التي تعود إليها الحياة تدريجيًا، ورابعة في المحافل الإقليمية والدولية مدافعًا عن موقف السودان وساعيًا إلى توسيع دائرة الدعم لقضاياه.
ويظل السؤال مشروعًا: من أين يجد رئيس الدولة كل هذا الوقت؟ وكيف يستطيع أن يوازن بين إدارة معركة عسكرية معقدة، والإشراف على مؤسسات الدولة، ومتابعة الملفات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية، ثم يجد فسحة للوجود بين المواطنين بعيدًا عن المظاهر الرسمية الثقيلة؟
قد تختلف الإجابات، لكن الثابت أن الرجل اختار أن يجعل الحضور الميداني جزءًا من أدوات القيادة، وأن يبعث برسالة مفادها أن الدولة لا تُدار بالقرارات وحدها، وإنما بحضور قيادتها في الميدان، حيث يتشكل المزاج العام وتُختبر ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
وليس خافيًا أن الحروب لا تنتهي بمجرد إسكات البنادق، وإنما تبدأ بعدها معركة أشد تعقيدًا؛ معركة إعادة بناء المدن، وإحياء الاقتصاد، وترميم مؤسسات الدولة، واستعادة ثقة المواطن في المستقبل. وهي معركة تحتاج إلى قيادة تمتلك القدرة على الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة السلام، ومن تحقيق الانتصار العسكري إلى صناعة الاستقرار السياسي.
والشاهد السنوات الماضية أظهرت قدرة لافتة لرئيس مجلس السيادة على إدارة ملفات متشابكة في ظروف استثنائية، وأن هذا الأداء ، في تقديري يؤكد انه ، مؤهلًا لاستمرار دوره في قيادة الدولة خلال مرحلة ما بعد الحرب، باعتبار أن استكمال مشروع التعافي الوطني يحتاج إلى قدر من الاستمرارية في القيادة. بينما يبقى هذا، في نهاية المطاف، موضوعًا يخضع للنقاش السياسي ولما يقرره السودانيون عبر الأطر الدستورية والمؤسسية.
أما الصورة التي التقطت للرجل وهو يقود سيارته في شارع النيل، فقد بدت، في نظر كثيرين، أكثر من مجرد جولة عفوية؛ كانت إعلانًا غير مكتوب بأن الخرطوم تعود إلى شوارعها، وأن الدولة تعود إلى عاصمتها، وأن صفحة جديدة تُفتح في تاريخ السودان، عنوانها الانتقال من زمن الحرب إلى أفق البناء، ومن لغة السلاح إلى لغة الدولة