مقالات الرأي
أخر الأخبار

الخنساء مجدي تكتب … الخرطوم لا تحتاج إلى من يصف جراحها فقط

الخنساء مجدي تكتب …

الخرطوم لا تحتاج إلى من يصف جراحها فقط

هذه خرطوم ما بعد الحرب

مدينة عاد إليها المواطنون وهم يحملون ما تبقى من أحلامهم، ليجدوا أن الحرب غادرت الشوارع، لكنها تركت خلفها وجعاً آخر

نعم، الحرب دمّرت

ونعم البنية التحتية تعرضت لضربات قاسية

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم وبصوت عَالياً

ماذا فعلت ولاية الخرطوم بعد أن عاد الناس؟

هل يعقل أن يعود المواطن إلى منزله، ثم يخرج في اليوم التالي يبحث عن الماء؟

هل يعقل أن تنقطع الكهرباء لأيام بسبب أعطال تنتظر الإصلاح؟

هل يعقل أن يتحول شراء كيبل كهربائي إلى مهمة شعبية فيجمع سكان الحي التبرعات حتى يصل النور إلى بيوتهم؟

المشكلة لم تعد في انقطاع التيار وحده.

المشكلة أن المواطن بدأ يشعر بأن هناك مسافة هائلة بين أزمته و مكاتب المسؤولين

ففي المكاتب، هناك تقارير.

في المؤتمرات، هناك تصريحات.

لكن في الشارع؟

أم تبحث عن الماء.
مريض ينتظر الكهرباء.أسرة تعاني الحر.
طالب يدرس على ضوء هاتفه.
وعامل توقفت آلته وتوقف معها رزقه.

هذه هي التقارير التي يجب أن تصل إلى مكتب المسؤول.

لا نريد فقط أن نعرف أن هناك عطلاً.

نريد أن نعرف لماذا تأخر إصلاحه؟ ومن المسؤول؟ وماذا ينقص؟ ومتى تنتهي الأزمة؟

فالناس لا تستطيع أن تعيش على جملة: جارٍ العمل

محولات وصلت… فلماذا لم يصل النور؟

هنا تحديداً يجب أن تكون الأسئلة أكثر صراحة.

إذا كانت الدولة قد استوردت محولات كهربائية بتكاليف كبيرة، فلماذا تتأخر عمليات تركيبها وتشغيلها؟

وإذا كانت بعض الأحياء تحتاج إلى كيبلات حتى تكتمل عملية توصيل الخدمة، فلماذا يتحمل المواطن تكلفة ذلك من جيبه؟

هل أصبح المواطن مسؤولاً عن تمويل إعادة الإعمار؟

سكان يجمعون المال من بعضهم البعض لشراء كيبل!

هذه الصورة وحدها كافية لطرح ألف سؤال.

المواطن الذي دفع ثمن الحرب نزوحاً وفقداناً وخراباً، هل يجب أن يدفع مرة أخرى حتى يحصل على أبسط حقوقه؟

إن كان هناك نقص في الإمكانات، فلتخرج الحكومة وتقول ذلك بوضوح.

وإن كان هناك تقصير، فلتسمِّ الأشياء بأسمائها.

وإن كان هناك خلل إداري، فليُحاسب المسؤول عنه.

لكن أن يظل المواطن عالقاً بين الظلام والصمت… فهذا ما لا يمكن تبريره.
فالشعب لا يخاف من الحقيقة…

فكيف نقول للناس: عودوا؟

عودوا إلى ماذا؟!

إلى مدينة بلا ماء؟

إلى شوارع مظلمة؟

إلى مستشفيات تكافح لتوفير الكهرباء؟

إلى أحياء ينتظر سكانها إصلاح المحولات؟

العودة ليست شعاراً يُرفع بل مشروع متكامل يبدأ من الخدمات.

لماذا لا نرى رئيس مجلس الوزراء في سد مروي إذا كانت الأزمة مرتبطة بهذا الشريان الحيوي للكهرباء؟

ليست المسألة صورة أمام كاميرا.

ولا زيارة بروتوكولية.

بل المطلوب أن يذهب المسؤول إلى المكان الذي تُصنع فيه الأزمة، ويجلس مع المهندسين والفنيين، وينظر إلى المعدات، ويسأل:

ما الذي حدث؟

ما الذي تعطل؟

ما الذي ينقصكم؟

ما الذي تستطيع الدولة توفيره فوراً؟

ومتى يعود التيار؟

زيارة القيادة إلى أي موقع يمثل مركزاً أزمة ليست ترفاً.

بل رسالة

رسالة إلى المهندسين والفنيين بأن الدولة تقف معهم.

ورسالة إلى المواطن بأن معاناته وصلت إلى أعلى مستويات القرار.

ورسالة إلى المسؤولين التنفيذيين بأن مرحلة ما بعد الحرب ليست مرحلة للنوم داخل المكاتب وانتظار التقارير.

إنما مرحلة للعمل والمحاسبة والإنجاز.

والمسؤول الذي لا يرى المواطن وهو يبحث عن الماء ولا يرى المستشفى وهو يصارع انقطاع الكهرباء
ولا يرى الشوارع وهي تغرق في الظلام، يحتاج على الأقل إلى أن يسأل نفسه:

هل أنا في المكان الصحيح؟

المواطن تحمل الحرب تحمل النزوح
تحمل فقدان المنزله

تحمل فقدان مصدر الرزق

تحمل الخوف والجوع والانتظار

فلا تطلبوا منه الآن أن يتحمل الظلام بلا نهاية.

لا يريد المواطن خطبة تشرح له لماذا انقطعت الكهرباء.

يريد أن يعرف متى ستعود

ولا يريد بياناً يقول إن الجهات المختصة تبذل جهوداً.

يريد أن يرى هذه الجهود على الأرض.

ولا يريد أن يسمع عن خطط بعيدة المدى بينما بيته بلا ماء يريد حلاً اليوم.

لقد انتصر السودانيون على المليشيا وعلى كثير من مخاوف الحرب، لكن معركة إعادة بناء الدولة لا تقل أهمية عن معركة استعادة الأرض.

والفشل في إدارة الخدمات بعد الحرب قد يهدم  ما عجزت الحرب عن هدمه.

الماء ليس منّة… والكهرباء ليست رفاهية

حين تنقطع الكهرباء و المياه لأيام، ثم يخرج المواطن حاملاً الأوعية بحثاً عن مصدر قريب، فهذه ليست مجرد مشكلة خدمات.

إنها إهانة لمدينة صَّمدة في وجه المليشيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى