
الخنساء مجدي تكتب
*من الركام إلى النهوض: حكاية انتصار على الألم*
ما بين صورة وأخرى، وبين مشهدٍ ومشهد قد يختصر التاريخ مسافة طويلة من الألم والصبر والدماء.
بالأمس كان المكان ذاته يئن تحت وطأة الركام وكانت صور الدمار في محيط القصر الجمهوري تفتح سؤالاً قاسياً في وجدان السودانيين: هل يمكن أن يعود هذا المكان إلى الحياة؟ وهل يمكن أن تنهض الدولة من بين كل هذا الخراب؟
واليوم، تأتي الإجابة واقفة على قدميها.
يعود رئيس مجلس السيادة إلى القصر الجمهوري ويقف أمام مدخل أحد أهم رموز الدولة السودانية محيياً علم السودان فيما يصدح السلام الجمهوري في المكان الذي ظن كثيرون أن الخراب قد أسدل عليه ستاره إلى الأبد.
وهنا تكمن الحكاية.
من الركام إلى القصر.. من الغياب إلى الحضور.. ومن سؤال الانهيار إلى إجابة النهوض.
لم تكن عودة القصر مجرد عودة إلى مبنى ولا كانت الصورة مجرد لقطة بروتوكولية عابرة.
هناك، في المكان الذي كانت عدسات الكاميرات تلتقط منه صور الركام كان آخرون يصنعون بالكلمة والموقف والصورة ذاكرةً مختلفة؛ ذاكرة تقول إن القصر الجمهوري ليس حجراً وجدراناً فحسب، وإنما رمز لسيادة الدولة وهيبة الوطن.
واليوم، عودة رئيس مجلس السيادة إلى القصر، فإن المشهد يحمل أكثر من دلالة.
إنها عودة إلى رمز السيادة، وعودة إلى مكان ظل حاضراً في الوجدان السوداني بوصفه أحد عناوين الدولة ومؤسساتها.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً.
رجالٌ تقدموا إلى ساحات القتال وآخرون حملوا أرواحهم على أكفهم، وشهداء رحلوا وهم يؤدون واجبهم في معركة وطن وكرامة وسيادة.
فبين الصورتين مسافة من الدماء والتضحيات والصبر والعمل والإصرار.
وبينهما رجالٌ لم يكن أمامهم ترف الاستسلام.
إنهم أولئك الذين اختاروا أن يقفوا حيث كان يمكن للآخرين أن يتراجعوا، وأن يحملوا مسؤولية اللحظة الثقيلة، وأن يدفعوا من أعمارهم وأرواحهم ثمناً لبقاء هذا الوطن
ولشهداء السودان في هذه المعركة، ولجنوده وضباطه وكل من ساهم في حماية الوطن، تبقى التحية أقل من حجم ما قدموا.
فبدمائهم كُتبت صفحات لن تكون عابرة.
وبصبرهم أصبحت صورة القصر اليوم مختلفة عن صورته بالأمس.
تقبّل الله الشهيد فاروق الزاهر وإخوانه، وكل شهداء الوطن، الذين ارتبطت تضحياتهم بهذه الأرض
إنها ليست صورة انتصار على الركام فحسب؛ بل صورة انتصار لفكرة أن الوطن ييستطيع أن ينهض بإرادة أبنائه.
سيكتب التاريخ كثيراً عن هذه السنوات.
سيكتب عن الخرطوم حين كانت تختنق تحت الدمار وعن الذين وقفوا في وجه العاصفة وعن الشهداء الذين مضوا ولم يشهدوا لحظة اكتمال الصورة.
وسيكتب أيضاً عن أولئك الذين ظلوا يؤمنون بأن السودان أكبر من الحرب، وأن الدولة أكبر من الخراب وأن راية الوطن لا يجوز أن تُختصر في لحظة انكسار.
واليوم، حين يرفرف علم السودان أمام القصر الجمهوري، لا تكون الراية وحدها هي التي ترتفع.
يرتفع معها سؤال الهوية، ومعنى السيادة، وحق السودانيين في وطنهم، ومعنى أن تبقى الدولة حاضرة مهما اشتدت العواصف.
و من الركام إلى القصر…
هكذا تختصر الصورة حكاية كاملة.
حكاية وطن جُرح كثيراً، لكنه لم يمت.
وحكاية رجالٍ دفعوا الثمن غالياً حتى يصل المشهد إلى هذه اللحظة.
وحكاية شعبٍ ما زال ينتظر أن تتحول عودة الرموز إلى عودة كاملة للحياة، والأمن، والخدمات، والإعمار، والسلام.
فالنصر الحقيقي لا يكتمل عند أبواب القصر.
النصر الحقيقي أن تعود الخرطوم مدينةً للحياة، وأن يعود المواطن إلى بيته آمناً، وأن تعود المدارس والمستشفيات والأسواق والمؤسسات إلى العمل، وأن يتحول الركام إلى عمران، والخوف إلى طمأنينة، والدماء إلى عهدٍ بألا
تلك هي المعركة الأكبر بعد انتهاء المعارك.
أن نبني ما تهدم، وأن نداوي ما انكسر، وأن نحول النصر العسكري إلى سلامٍ وحياةٍ وكرامة.
