قراءة تحليلية: خطاب البرهان أمام الإعلاميين.. من توصيات الملتقى إلى اختبار الإرادة السياسية

قراءة تحليلية: خطاب البرهان أمام الإعلاميين.. من توصيات الملتقى إلى اختبار الإرادة السياسية
الخرطوم – احمد اسماعيل حسن
لم يكن لقاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان بالإعلاميين المشاركين في ملتقى الإعلاميين السودانيين مجرد لقاء بروتوكولي لتسلّم توصيات ورشة أو ملتقى مهني، وإنما جاء في توقيت بالغ الحساسية، تتقاطع فيه التطورات العسكرية مع الاستحقاقات السياسية، بينما تستعد البلاد للدخول في مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: الحوار السوداني السوداني، وإعادة بناء الدولة، وتحديد مستقبل العملية السياسية بعد الحرب.
ومن هذه الزاوية، تكتسب كلمة البرهان أهميتها من أنها جمعت بين قراءة الماضي، وتفسير الحاضر، ورسم ملامح المستقبل، مع توجيه رسائل سياسية مباشرة إلى الداخل والخارج.
أولاً: الاعتراف بأهمية الحوار.. ولكن وفق مفهوم الدولة
أبرز ما يمكن التقاطه من خطاب البرهان هو تأكيده التزام الدولة بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي تصب في مصلحة الشعب السوداني، مع تأكيده أن المشاركين في الحوار هم الذين يسعون إلى بناء الدولة على أساس العدالة والمساواة. كما حدد بوضوح أن الحوار المقصود هو حوار القوى السياسية والمدنية، وليس حواراً مع القوى العسكرية.
وهنا تظهر نقطة جوهرية في الخطاب: البرهان لا يقدم الحوار بوصفه صفقة سياسية لتقاسم السلطة، وإنما كآلية لإعادة تأسيس الدولة.
وهذا التفريق مهم للغاية، لأنه ينقل النقاش من سؤال: من سيحكم السودان؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: أي دولة يريد السودانيون بناءها بعد الحرب؟
ومن ثم فإن نجاح الحوار، وفق هذه الرؤية، لا يقاس بعدد القوى المشاركة فيه، وإنما بقدرته على إنتاج توافق حول الدولة ومؤسساتها وقواعد العمل السياسي فيها.
ثانياً: الجيش والحوار.. تحديد واضح للأدوار
من الرسائل اللافتة في حديث البرهان تأكيده أن الحوار الوطني لا يشمل القوى العسكرية.
وهذا الموقف يحمل دلالة سياسية كبيرة؛ إذ يسعى إلى تثبيت فكرة الفصل بين المؤسسة العسكرية باعتبارها مؤسسة للدولة وبين القوى السياسية والمدنية التي يفترض أن تتنافس على إدارة الحكم عبر الوسائل السياسية والدستورية.
وفي المقابل، فإن التحدي الحقيقي أمام هذه الرؤية سيكون في كيفية الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة سياسية مستقرة، بحيث تنسحب المؤسسة العسكرية تدريجياً إلى أدوارها الدستورية، بينما تستعيد القوى السياسية والمدنية قدرتها على إنتاج مشروع وطني جامع.
ثالثاً: لا مكان للمليشيات داخل الدولة
من أكثر الرسائل وضوحاً في خطاب البرهان تأكيده عدم السماح لأي فصيل بتحقيق مكاسب سياسية بواسطة السلاح، وأنه لن تكون هناك مليشيا داخل الدولة بعد انتهاء الحرب، مع تأكيد موقفه من اتفاق جدة ورفض منح الدعم السريع دوراً في الدولة السودانية.
وهذه النقطة تتجاوز كونها موقفاً عسكرياً من الحرب؛ فهي في جوهرها تصور لشكل الدولة السودانية بعد الحرب.
فالرسالة هنا أن التسوية السياسية المقبلة، في حال الوصول إليها، يجب ألا تنتج واقعاً جديداً قائماً على تعدد الجيوش أو شرعنة القوة المسلحة كوسيلة للوصول إلى السلطة.
وبالتالي فإن قضية احتكار الدولة للسلاح ستظل واحدة من أكثر القضايا حساسية في أي حوار وطني قادم.
رابعاً: خطاب المصارحة.. البرهان يفتح ملفات المرحلة الانتقالية
اللافت في حديث البرهان أنه لم يكتفِ بتناول الحرب الراهنة، وإنما عاد إلى جذور الأزمة السياسية التي سبقت اندلاعها، وتحدث عن تجربته مع القوى المدنية والعسكرية خلال المرحلة الانتقالية، كما أقر بوجود أخطاء ارتكبتها القوات المسلحة والقوى الثورية وأسهمت في الوصول إلى الوضع الراهن، مؤكداً أن الجيش عازم على عدم تكرارها.
وهذه الجزئية ربما تكون الأهم في الخطاب من الناحية السياسية.
فالإقرار بوقوع أخطاء، حتى وإن جاء في سياق الدفاع عن موقف المؤسسة العسكرية، يفتح الباب أمام مراجعة وطنية لتجربة الانتقال بأكملها بدلاً من اختزال الأزمة في طرف واحد.
وهو ما يمكن أن يشكل مدخلاً مهماً للحوار، لأن المصالحة الوطنية لا تقوم فقط على سردية المنتصر والمهزوم، وإنما تحتاج إلى قدر من الاعتراف بالأخطاء، وتحديد المسؤوليات، واستخلاص الدروس.
خامساً: الإعلام من متلقٍ للأحداث إلى شريك في صناعة المرحلة
تكمن أهمية ملتقى الإعلاميين في أنه انعقد في لحظة تحتاج فيها الدولة والمجتمع إلى إعلام يتجاوز وظيفة نقل الأخبار إلى تشكيل الوعي العام ومواجهة التضليل وتعزيز التماسك الوطني.
وقد تناول الملتقى ملفات رئيسية من بينها اقتصاديات الصحافة الورقية، والعلاقات الاجتماعية، وقانون الإعلام والسياسات الإعلامية، كما اعتمد ميثاق شرف صحفي، وأعلن مسؤولون دعمهم لتنفيذ توصياته.
ومن هنا فإن تسلّم البرهان للتوصيات وتعهد الدولة بتنفيذها لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره نهاية الملتقى، بل باعتباره بداية الاختبار الحقيقي.
فالصحافة السودانية لا تحتاج فقط إلى الإشادة بدورها الوطني؛ وإنما تحتاج إلى بيئة تسمح لها باستعادة مؤسساتها، وتطوير أدواتها، وحماية الصحفيين، وتأهيل الكوادر، والانتقال إلى الإعلام الرقمي، وإعادة بناء اقتصاديات الصحافة.
سادساً: التوصيات.. القيمة الحقيقية تبدأ بعد انتهاء الملتقى
أهم ما يميز المرحلة الحالية أن توصيات الملتقى لم تبقَ في إطار الأوراق، فقد أعلن البرهان التزام الدولة بتنفيذها، ووجّه بتكوين لجنة للمتابعة.
وهنا تحديداً تكمن المسافة بين النجاح الإعلامي والنجاح المؤسسي.
فالتوصية لا تصبح سياسة إلا عندما تتحول إلى قرار، والقرار لا يصبح إصلاحاً إلا عندما يجد طريقه إلى التنفيذ.
ولهذا فإن تشكيل لجنة متابعة يمثل خطوة مهمة، لكن الأهم هو أن تكون لها صلاحيات واضحة، وجدول زمني، وأولويات محددة، وآلية لقياس التنفيذ.
سابعاً: الرسالة الخارجية.. السودان يريد أن يتحدث من موقع الفاعل
تزامن خطاب البرهان مع حديثه عن قرار حظر السلاح الذي كان مطروحاً أمام مجلس الأمن، حيث استبعد تمرير القرار بالصيغة المطروحة، مؤكداً استعداد السودان للتعامل مع تداعياته في حال إجازته.
كما جدد دعوة الجانب الأميركي لزيارة السودان والوقوف ميدانياً على حقيقة الأوضاع.
وهذه الرسائل تكشف أن الخطاب لم يكن موجهاً إلى الإعلاميين وحدهم؛ فالإعلاميون أصبحوا في هذه اللحظة جسراً لنقل الرواية السودانية إلى الرأي العام الإقليمي والدولي.
ومن هنا تأتي أهمية بناء خطاب إعلامي سوداني مهني يستطيع الدفاع عن الموقف الوطني بالحجة والمعلومة والوثيقة، لا بمجرد الخطاب التعبوي.
ثامناً: التوصيات أمام امتحان التنفيذ
يمكن اختزال المرحلة المقبلة في ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: إصلاح المهنة
وذلك عبر تطوير التشريعات، وتأهيل الصحفيين، وإعادة بناء المؤسسات الإعلامية، وتعزيز الالتزام بميثاق الشرف والمهنية.
المستوى الثاني: إصلاح البيئة الإعلامية
بما يضمن مساحة أوسع للمعلومة، ويعزز المهنية والاستقلالية، ويتيح للإعلام القيام بدوره في مساءلة المؤسسات وتصحيح الأخطاء.
المستوى الثالث: توظيف الإعلام في مشروع الدولة بعد الحرب
من خلال مكافحة خطاب الكراهية، وترسيخ الوحدة الوطنية، ودعم الحوار السوداني السوداني، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
وهنا تبرز أهمية ما طرحه رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس خلال الملتقى من اعتبار الإعلاميين شركاء أساسيين في الحوار السوداني الشامل، وصولاً إلى توصيات سياسية ودستورية تقود إلى التحول الديمقراطي والانتخابات.
الخلاصة
يمكن القول إن كلمة البرهان أمام الإعلاميين كانت في جوهرها رسالة سياسية أكثر منها خطاباً إعلامياً؛ لأنها حملت تصوراً واضحاً حول ثلاثة ملفات مترابطة: الحرب، والحوار، والدولة.
فالرسالة الأولى أن نهاية الحرب لا تعني العودة إلى الوضع الذي سبقها.
والرسالة الثانية أن الحوار المقبل ينبغي أن يكون مدخلاً لبناء الدولة وليس لتقاسم السلطة.
والرسالة الثالثة أن الدولة المقبلة، وفق الطرح الذي قدمه البرهان، يجب أن تقوم على مؤسسة عسكرية واحدة وسلاح واحد، وأن يكون التنافس على الحكم عبر الوسائل السياسية.
أما الرسالة الرابعة، وربما الأهم بالنسبة للإعلام، فهي أن الصحافة السودانية أمام مرحلة جديدة تختبر فيها قدرتها على الانتقال من إعلام الحرب إلى إعلام بناء الدولة.
وبالتالي فإن القيمة الحقيقية لملتقى الإعلاميين لن تظهر في البيانات الختامية ولا في عدد المشاركين، وإنما في ما سيحدث بعد الملتقى: هل تتحول التوصيات إلى سياسات؟ وهل تتحول التعهدات إلى قرارات؟ وهل يستطيع الإعلام أن يستعيد استقلاله ومهنيته وتأثيره؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي وضعه لقاء البرهان أمام الدولة والإعلام معاً: أن تتحول الكلمات إلى أفعال، والتوصيات إلى سياسات، والحوار إلى مشروع وطني لبناء السودان.
