حين جاء الخبر من بين الأخبار.. قصة صحفي وجد ابنته في قائمة المتفوقين بقلم أحمد إسماعيل حسن

حين جاء الخبر من بين الأخبار.. قصة صحفي وجد ابنته في قائمة المتفوقين
شهدة مهنية توثق واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في مسيرتي الاعلامية
بقلم: أحمد إسماعيل حسن
منذ أن بدأت مشواري في العمل الإعلامي، قبل سنوات طويلة، اعتدت أن أكون في المكان الذي تُصنع فيه الأخبار، وأن أحمل إلى الناس ما يحدث خلف المنصات وفي قاعات المؤتمرات الصحفية.
غطيت خلال مسيرتي مؤتمرات صحفية سياسية وثقافية ورياضية وتعليمية، وكنت حريصاً دائماً على أن أنقل للناس ما يستحق أن يُروى، وأن أبحث، وسط زحام الأحداث، عن الأخبار التي تحمل الفرح والأمل للأسر السودانية.
وكانت مؤتمرات إعلان نتائج امتحانات الشهادة السودانية ونتائج المراحل التعليمية من بين المناسبات التي أجد نفسي فيها أمام مسؤولية مهنية وإنسانية في آن واحد؛ فخلف كل رقم واسم في كشوفات النتائج أسرة تنتظر، وأب أو أم يترقبان لحظة طال انتظارها، وطالب أو طالبة يحلمان بأن يسمعا اسمهما بين الناجحين والمتفوقين.
وعندما اندلعت الحرب، تغيرت خارطة العمل والحياة، واضطررنا إلى الانتقال إلى ولاية نهر النيل، لكنني حملت معي مهنتي ورسالتها، وواصلت العمل الإعلامي في الظروف الجديدة.
واصلنا تغطية المؤتمرات الصحفية الخاصة بإعلان نتائج الامتحانات، ومنها نتائج المرحلة المتوسطة، وهي امتحانات شهدت في سنواتها الأولى ظروفاً استثنائية، وجلس لها التلاميذ في عدد من الدول، في مشهد يعكس حجم التحديات التي فرضتها الحرب على التعليم وأبنائه.
وقبل أيام، كُلّفت بتغطية المؤتمر الصحفي لإعلان نتائج امتحانات المرحلة المتوسطة.
كان المؤتمر مختلفاً هذه المرة؛ فلم يُعقد في مدينة الدامر، عاصمة ولاية نهر النيل، وإنما انتقل إلى مدينة بربر.
ذهبت إلى المؤتمر حاملاً أدواتي الصحفية المعتادة، وذهني مشغول بالمهمة التي جئت من أجلها: تسجيل النتائج، التقاط الأسماء والأرقام، وإعداد المادة الإعلامية التي ستصل إلى الأسر السودانية، لتكون خبراً ساراً ينتظرونه بعد عام دراسي شاق وظروف استثنائية.
لكنني، في ذلك اليوم، لم أكن مجرد صحفي ينتظر خبراً.
كنت أيضاً أباً ينتظر خبراً.
فابنتي كانت من بين التلاميذ الذين جلسوا للامتحان.
جلست في مقعدي داخل المؤتمر، أتابع الكلمات وأدون المعلومات، وأستعد كعادتي لالتقاط أهم ما يرد في المؤتمر من أرقام ونتائج.
كنت أتمنى، في داخلي، أن يحمل ذلك اليوم خبراً يفرح الأسر السودانية كلها، وكنت، في زاوية خفية من القلب، أدعو الله أن تكون لي ولأسرتي منه حصة.
بدأ إعلان النتائج.
بدأت الأسماء تتوالى.
كنت أكتب وأسجل، بعين الصحفي التي اعتادت أن تلاحق التفاصيل، وبقلب الأب الذي ينتظر اسماً يعرفه.
ثم جاءت اللحظة التي لم تكن في حساباتي المهنية.
سمعت اسم ابنتي.
للحظات، بدا الأمر وكأن الزمن توقف.
الاسم الذي كنت أبحث عنه في كشوفات النتائج لم أسمعه هذه المرة بصفتي صحفياً، وإنما سمعته بصفتي أباً.
كانت ابنتي ضمن المتفوقات، وقد أُذيع اسمها ضمن الحزمة السادسة، بمجموع 275 درجة.
في تلك اللحظة اختلطت كل الأشياء.
اختلط صوت المؤتمر الصحفي بصوت الفرح في داخلي.
اختلطت ملاحظات الصحفي بمشاعر الأب.
كنت في المكان لأكتب خبراً ساراً للأسر السودانية، فإذا بالخبر السار يصل إليّ أنا أولاً.
كانت يدي تمسك أدوات الكتابة، لكن القلب كان منشغلاً بشيء آخر.
فماذا يفعل الصحفي عندما يصبح الخبر الذي جاء لينقله خبراً يخص ابنته؟
وكيف يستطيع أن يفصل بين عين المهنة التي ترصد التفاصيل، وقلب الأب الذي لا يستطيع أن يخفي فرحته؟
كانت لحظة نادرة بكل المقاييس.
سنوات طويلة وأنا أقف خلف الأخبار، وأنقل أفراح الآخرين، وأتابع لحظات النجاح التي تصنعها نتائج الامتحانات، وأكتب عن أبناء وبنات الأسر السودانية الذين يحققون التفوق رغم صعوبة الظروف.
لكن هذه المرة، وجدت نفسي داخل الخبر.
هذه المرة لم يكن اسم المتفوق مجرد اسم في كشف نتائج، بل كان اسماً أعرفه، وأحبه، وانتظرته، ودعوت الله أن أسمعه.
والأجمل أن هذه الفرحة جاءت في وقت لم تكن فيه رحلة التعليم سهلة.
فالحرب ألقت بظلالها الثقيلة على حياة الأسر السودانية، وأثرت في التعليم، وأجبرت كثيراً من الطلاب على مواجهة ظروف لم تكن في الحسبان.
