السودان يعود إلى «إيقاد».. الخرطوم تستعيد مقعدها في قلب القرن الأفريقي بقلم: احمد اسماعيل حسن

السودان يعود إلى «إيقاد».. الخرطوم تستعيد مقعدها في قلب القرن الأفريقي
بقلم: احمد اسماعيل حسن
يمثل استئناف السودان مشاركته الكاملة في الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» محطة مهمة في مسار علاقاته الإقليمية، ليس باعتبارها عودة إلى منظمة أفريقية فحسب، وإنما باعتبارها استعادة لدور السودان داخل منظومة إقليمية ترتبط بصورة مباشرة بقضايا الأمن والسلام والتنمية والتكامل في القرن الأفريقي.
وكان السودان قد أعلن في فبراير 2026 استئناف نشاطه الكامل في المنظمة، بعد فترة امتدت لنحو عامين منذ تجميد عضويته في يناير 2024. ورحبت أمانة «إيقاد» بالقرار، مؤكدة أن عودة السودان، بوصفه دولة مؤسسة للمنظمة، تعزز وحدتها وقدرتها على التعامل مع القضايا الإقليمية المشتركة.
عودة تتجاوز العضوية إلى استعادة الدور
وتكتسب الخطوة أهميتها من طبيعة السودان وموقعه الجغرافي وصلاته المتشابكة مع دول القرن الأفريقي؛ فالسودان ليس دولة هامشية في معادلات الإقليم، وإنما دولة تتقاطع عندها ملفات الأمن والهجرة والحدود والتجارة والمياه والسلام والتنمية.
ومن هنا، فإن عودة الخرطوم إلى طاولة «إيقاد» تتيح لها استئناف حضورها المباشر في النقاشات الإقليمية، وطرح رؤيتها للقضايا التي تمس أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية وعلاقاتها مع دول الجوار.
وقد أكدت «إيقاد» أن عودة السودان تعيد التأكيد على التضامن الإقليمي، بينما وصف الأمين التنفيذي للمنظمة ورقنه قبيهو عودة السودان بأنها خطوة تعزز التعاون والسلام والاستقرار في المنطقة.
السودان.. مفتاح في معادلة السلام الإقليمي
وتتجاوز أهمية العودة حدود التمثيل الدبلوماسي، في ظل ارتباط استقرار السودان بصورة وثيقة باستقرار محيطه الأفريقي. وقد عبّر الأمين التنفيذي لـ«إيقاد» خلال زيارته الخرطوم في يوليو الماضي عن هذا الترابط بوضوح، قائلاً إن السلام في السودان يمثل سلام المنطقة كلها، مؤكداً استعداد المنظمة للعمل مع السودان من أجل السلام والاستقرار وإعادة الإعمار.
وفي السياق ذاته، أكدت «إيقاد» خلال بعثة أمينها التنفيذي إلى الخرطوم التزامها بدعم مسار يقوده السودانيون ويمتلكون زمامه، مع تعزيز التعاون الإقليمي خلال مرحلة السلام والتعافي.
إعادة فتح مكتب «إيقاد» في الخرطوم.. عودة عملية وليست رمزية
ولم تتوقف العودة عند الإعلان السياسي؛ ففي يوليو 2026 أعادت «إيقاد» افتتاح بعثتها في الخرطوم واستأنفت نشاطها، في خطوة عكست انتقال العلاقات بين الجانبين إلى مرحلة جديدة من العمل المباشر.
واعتبرت السلطات السودانية عودة المنظمة وافتتاح مكتبها في الخرطوم مؤشراً على بداية مرحلة جديدة، تتصل بالتعافي وإعادة الإعمار والتنمية بعد الحرب.
الطابية
كما بحثت وزارة المالية السودانية مع ممثلي المنظمة سبل الاستفادة من برامج «إيقاد» وإقامة شراكات استراتيجية يمكن أن تدعم التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار.
وزارة المالية السودانية
البعد الأفريقي.. منظمة تستعيد أحد أعمدتها
وتأتي عودة السودان في توقيت تسعى فيه «إيقاد» نفسها إلى تعزيز بنيتها المؤسسية ودورها الإقليمي. وتشير المنظمة إلى أن السودان أحد أعضائها المؤسسين، وأن عودته تمثل تعزيزاً لوحدتها وقدرتها على التعامل مع الملفات المشتركة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة عودة السودان باعتبارها مكسباً متبادلاً: الخرطوم تستعيد منصة إقليمية مؤثرة تستطيع من خلالها الدفاع عن مصالحها والتفاعل مع قضايا محيطها، بينما تستعيد «إيقاد» عضواً مؤسساً وثقله السياسي والجغرافي داخل منظومة القرن الأفريقي.
صفحة جديدة في العلاقات السودانية الأفريقية
وتحمل العودة كذلك دلالة سياسية مهمة، تتمثل في فتح صفحة جديدة بين السودان والمنظمة بعد فترة من التوتر والخلاف. فالمرحلة المقبلة لن تقاس بمجرد استعادة العضوية، وإنما بمدى قدرة الطرفين على تحويل العودة إلى شراكة عملية في ملفات السلام والأمن والتنمية وإعادة الإعمار.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة بالنسبة للسودان، الذي يحتاج في مرحلة ما بعد الحرب إلى إعادة بناء شبكة علاقاته الإقليمية والدولية، والاستفادة من المؤسسات الأفريقية في دعم الاستقرار والتنمية، بالتوازي مع الحفاظ على رؤيته ومصالحه الوطنية.
وبذلك، فإن عودة السودان إلى «إيقاد» لا تبدو مجرد استعادة لمقعد غاب لعامين، وإنما عودة إلى مساحة إقليمية يمكن أن يكون فيها السودان طرفاً فاعلاً في صناعة النقاش حول مستقبل القرن الأفريقي؛ فاستقرار السودان مرتبط باستقرار جواره، واستقرار الإقليم بدوره يحتاج إلى حضور السودان ودوره.
