
التربية والتعليم.. قراءة ذكية لقرار مجلس الوزراء
حين تكون الغاية هي الحصر.. لا ينبغي أن تتحول الوسيلة إلى عبء
بقلم:احمد اسماعيل حسن
في القرارات الحكومية الكبيرة، لا تقاس جودة التنفيذ بمجرد الالتزام الحرفي بالنص، وإنما بمدى القدرة على تحقيق الغاية التي صدر من أجلها القرار، مع مراعاة الظروف الواقعية التي تحيط بالمؤسسات والعاملين.
ومن هذا المنطلق، تستحق الطريقة التي تعاملت بها وزارة التربية والتعليم مع قرار مجلس الوزراء القاضي بعودة العاملين بالخارج إلى مقار عملهم، وربط ذلك بتعبئة استمارة أُعدت خصيصاً لهذا الغرض، حسب ماتم تداوله في بعض المواقع الالكترونيه تستحق الإشادة والتقدير؛ لأنها قدمت نموذجاً عملياً لكيفية التعامل المرن والمسؤول مع القرارات العامة.
فالوزارة، بدلاً من أن تجعل تنفيذ القرار عبئاً إضافياً على منسوبيها الموجودين في دول مختلفة، تعاملت مع الأمر بروح القرار ومقصده، ووفرت إمكانية استخراج الاستمارة وتوثيقها عبر السفارات السودانية في البلدان التي يوجد فيها العاملون، بما يحقق الغرض الأساسي المتمثل في حصر العاملين بالخارج وتوثيق بياناتهم وتحديد أوضاعهم الوظيفية.
وهنا تكمن أهمية التجربة.
فإذا كان المقصود من القرار هو معرفة أعداد العاملين الموجودين خارج البلاد، ومواقع وجودهم، وأوضاعهم الوظيفية، ومدى ارتباطهم بمؤسسات الدولة، فإن تحقيق هذه الأهداف لا يشترط بالضرورة أن تكون العودة الفورية إلى مقر العمل هي الوسيلة الوحيدة لذلك.
بل إن التعامل بهذه المرونة يمكن أن يكون أكثر فاعلية، وأقل تكلفة، وأكثر مراعاة للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
روح القرار قبل حرفيته
ليس المقصود من الإشادة بتجربة وزارة التربية الالتفاف على قرار مجلس الوزراء أو تعطيل تنفيذه، وإنما العكس تماماً؛ فهي محاولة لتنفيذ القرار من خلال قراءة مقاصده وأهدافه، والبحث عن الوسيلة الأكثر ملاءمة لتحقيقها.
فالقرار الحكومي عندما يستهدف حصر العاملين وتنظيم أوضاعهم، ينبغي أن تكون الأولوية لإنجاز عملية الحصر بصورة دقيقة وشاملة، ثم تأتي بعد ذلك الإجراءات المتعلقة بالعودة ومباشرة العمل وفقاً لطبيعة كل مؤسسة ووضعها.
وهذا التمييز مهم للغاية، لأن الحصر الإداري شيء، ومباشرة العمل شيء آخر.
وقد يكون من الممكن تحقيق الأول دون أن يكون الثاني ممكناً في الوقت ذاته.
التعميم يحتاج إلى مرونة في التنفيذ
ومن هنا، فإن تجربة وزارة التربية والتعليم يمكن أن تكون جديرة بالدراسة من قبل مجلس الوزراء، ليس باعتبارها استثناءً من القرار، وإنما باعتبارها نموذجاً تنفيذياً قابلاً للتعميم والتطوير.
فالوزارات والمؤسسات الحكومية ليست متشابهة في ظروفها. هناك مؤسسات يمكن أن تستوعب عودة العاملين إليها بصورة طبيعية، بينما توجد مؤسسات أخرى قد لا تسمح ظروفها الحالية باستقبال جميع العاملين، سواء بسبب الحرب، أو الأضرار التي لحقت بمقار العمل، أو انتقال المؤسسات إلى مواقع مؤقتة، أو عدم اكتمال الترتيبات الإدارية والفنية اللازمة.
وفي مثل هذه الحالات، فإن مطالبة العامل بالعودة الفورية قد لا تحقق الهدف المنشود، بل قد تنتج عنها أعباء إضافية على الدولة والعاملين دون مردود إداري حقيقي.
لذلك فإن اعتماد آلية مرنة تبدأ بـالاستمارة والتوثيق والحصر، عبر السفارات أو القنوات الرسمية المعتمدة، يمكن أن يوفر قاعدة بيانات دقيقة تساعد الحكومة في اتخاذ قرارات لاحقة أكثر واقعية.
المطلوب: قاعدة بيانات أولاً.. ثم المعالجة
إن الدولة تحتاج قبل كل شيء إلى معرفة الحقيقة الإدارية: كم عدد العاملين الموجودين خارج البلاد؟ أين يوجدون؟ ما مواقعهم الوظيفية؟ ما أسباب وجودهم بالخارج؟ ما الجهات التي يتبعون لها؟ وهل مؤسساتهم جاهزة لاستقبالهم؟ وما الوظائف التي يمكن أن يعودوا إليها فعلياً؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بصورة دقيقة إلا من خلال عملية حصر منظمة.
وبعد اكتمال الحصر، يمكن تصنيف الحالات واتخاذ القرار المناسب بشأن كل فئة؛ فمن كان مطلوباً منه العودة ومباشرة عمله في مؤسسة جاهزة لاستقباله، يمكن أن يتلقى توجيهاً واضحاً بذلك، بينما يمكن معالجة الحالات التي تحول ظروف المؤسسات أو الظروف الموضوعية دون عودتها الفورية بترتيبات أخرى.
وهكذا يصبح القرار أداة لتنظيم الخدمة المدنية، وليس مجرد إجراء شكلي أو عبء إداري جديد.
تجربة تستحق التعميم
إن ما قامت به وزارة التربية والتعليم يقدم نموذجاً يستحق أن ينظر إليه مجلس الوزراء بعين الاهتمام، وأن تتم دراسة إمكانية اعتماده كآلية عامة، مع ترك مساحة لكل وزارة أو مؤسسة لتكييف التطبيق وفق ظروفها الخاصة.
فالهدف ينبغي أن يكون واحداً: حصر العاملين وتنظيم أوضاعهم وضمان انضباط الخدمة العامة.
أما الوسائل، فيمكن أن تختلف بحسب طبيعة المؤسسات وظروفها.
إن المرونة في تنفيذ القرارات لا تعني التهاون في تطبيقها، كما أن مراعاة الظروف لا تعني التخلي عن الانضباط. بل إن الحكمة الإدارية تقتضي الجمع بين الاثنين: صرامة في تحقيق الهدف، ومرونة في اختيار الوسيلة.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، تحتاج الدولة إلى هذا النوع من الإدارة الذكية التي تنظر إلى الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون فقط.
ولذلك، فإن تجربة وزارة التربية والتعليم لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها معالجة خاصة بوزارة واحدة، وإنما باعتبارها اجتهاداً إدارياً عملياً يمكن لمجلس الوزراء أن يستفيد منه، وأن يحوله إلى إطار عام يراعي اختلاف أوضاع الوزارات والمؤسسات، ويضمن في الوقت ذاته تحقيق الهدف الأساسي من القرار: الحصر الدقيق، وتنظيم الأوضاع، وحماية المال العام، وضمان كفاءة الخدمة المدنية.
فالقرار الناجح ليس هو الذي يُنفذ حرفياً فحسب، وإنما ذلك الذي يصل إلى غايته بأقل كلفة، وأكثر كفاءة، وأعلى قدر من الواقعية.