مقالات الرأي
أخر الأخبار

تخسّؤوا بشِسع نعل كُليب بقلم حياة حمد اليونسابي

تخسّؤوا بشِسع نعل كُليب

حياة حمد اليونسابي

 

لم تكن قاعة الأمم المتحدة، في ذلك اليوم، تسمع خطابًا دبلوماسيًا آخر يضاف إلى عشرات الخطب التي تتشابه فيها العبارات، وتتساوى فيها الوجوه خلف المنصات، ثم تنتهي الكلمات إلى محفوظات لا تكاد تترك في الذاكرة غير رقم الجلسة وتاريخها. كان ثمة شيء آخر يحدث؛ شيء يشبه أن تنفلت من بين أصابع الدبلوماسية الباردة قطعة حادة من الذاكرة العربية، فتستعيد القاعة الدولية، للحظات، لغةً أقدم من قاموسها، وأشد صراحة من بياناتها.

كان الحارث إدريس يتحدث عن السودان، عن الحرب التي لم تعد حربًا سودانية خالصة في سرديات أطرافها، وعن التدخلات الخارجية التي تقول الخرطوم إنها أسهمت في إطالة أمد القتال، وعن الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني بشأن الأسلحة الكيميائية، والتي نفى الحارث صحتها وطالب، في المقابل، بما يعضدها من أدلة فنية وقانونية. وفي مواجهة الرواية الإماراتية، قدّم المندوب السوداني رواية بلاده ووثائقها ومواقفها.

لكن الكلام السياسي، مهما طال، له لحظة يتحول فيها من الكلام إلى علامة.

وحين بلغ الحارث تلك اللحظة، لم يختر عبارة دبلوماسية مصقولة الحواف، ولا جملةً يمكن أن تمر في القاموس الأممي دون أن تثير أكثر من ابتسامة بروتوكولية. اختار أن يفتح بابًا في الذاكرة العربية، وأن يستدعي من وراء القرون رجلًا اسمه كُليب، وحربًا اسمها حرب البسوس، وعبارةً لم تعد مجرد عبارة منذ أن علّقت بها أجيال العرب معنى الكرامة والثأر والدم الذي لا يُستهان به.

قال:

«عليكم أن تخسؤوا، وتبوؤوا بشِسع نعل كُليب».

وهنا لم تعد المسألة شتيمةً عابرة.

لقد صار للنعل تاريخ.

الشِسع، في اللغة، هو رباط النعل. لكن اللغة حين تدخلها الذاكرة لا تبقى معاجم.

إنها تتحول إلى رموز.

وكليب ليس مجرد رجل من رجال الجاهلية، بل اسم معلّق في الذاكرة العربية على واحدة من أشهر حكايات الثأر التي طال أمدها حتى صارت الحرب نفسها تُعرف باسم الناقة التي أشعلت شرارتها: البسوس.

ولهذا فإن استدعاء كُليب في هذه اللحظة لم يكن اختيارًا لغويًا بريئًا. لقد وضع الحارث خصمه، في العبارة، عند أدنى منزلة يمكن أن تبلغها لغة الاحتقار: ليس المطلوب أن تساووا كُليبًا، ولا أن تقتربوا من مقامه، بل أن تبوؤوا بشِسع نعله.

والمفارقة أن ما يبدو في ظاهره عبارة عن النعل، يخفي وراءه كلامًا عن الكرامة والسيادة والذاكرة.

كأن الحارث يقول: ليست القضية في الكلمات التي قيلت عن بورتسودان أو الخرطوم، ولا في الوصف الذي يطلقه هذا الطرف على ذاك؛ القضية أن السودان، في نظر من يتحدث باسمه، ليس فراغًا جغرافيًا يمكن إعادة تسميته كلما تغيرت خريطة الحرب، وليس دولةً يمكن أن تُختزل في مدينة احتضنت مؤسساتها حين اضطربت البلاد.

إنها دولة لها اسم.

والاسم، في السياسة، سيادة.

لقد نقل الحارث المعركة من قاموس الدبلوماسية إلى قاموس الكرامة.

وهذا هو سر وقع العبارة.

فالدبلوماسية تقول عادةً: نرفض، ندين، نستنكر، نحتفظ بحقنا، نطالب، نحمّل المسؤولية.

أما لغة الثأر فتقول شيئًا آخر:

لن نقبل أن يُمسّ مقامنا ثم نكتفي بتسجيل اعتراض في محضر الجلسة.

ولذلك جاءت «تخسؤوا» قبل «شِسع نعل كُليب».

الأولى فعل طرد.

والثانية مقياس.

وبينهما تُبنى المسافة كلها بين من يتكلم باسم وطن يرى نفسه مستهدفًا، ومن يرى في خصمه طرفًا يحاول الانتقاص من ذلك الوطن.

إنها ليست جملة واحدة، بل حركة كاملة:

ارفضوا → اخسؤوا → تراجعوا → واعرفوا مقامكم.

غير أن أكثر ما يلفت في العبارة أنها خرجت من المكان الذي يفترض أن تكون فيه الكلمات أكثر انضباطًا.

فالأمم المتحدة بنت جزءًا كبيرًا من هيبتها على اللغة التي تُلطّف الخصومة، وتستبدل السيف بالصياغة، والسباب بالمصطلح، والعداء المباشر بعبارات يمكن أن تجتمع حولها الوفود وهي تختلف.

لكن السودان الذي دخل الأمم المتحدة في هذه اللحظة لم يدخلها وحده بلغة البيانات.

دخلته حربه أيضًا.

ودخلت معها جراحه، وملايينه الذين دفعتهم المعارك إلى النزوح، وخصوماته الداخلية، وأسئلته الثقيلة عن الخارج الذي تتهمه أطراف سودانية مختلفة بالتدخل في مسار الحرب، وعن الدولة التي تتنازعها البنادق والروايات.

وحين يصبح الوطن جريحًا، تتغير حتى نبرة الكلام عنه.

لكن هنا ينبغي ألا نخدع أنفسنا بجمال العبارة.

فحرب البسوس نفسها ليست حكاية انتصار بسيط؛ إنها أيضًا حكاية كيف يمكن لجرح صغير أن يفتح بابًا واسعًا للدم، وكيف يمكن للثأر أن يأكل من عمر الشعوب أكثر مما يأكل من عمر خصومها.

ولهذا فإن استدعاء كُليب يحمل مفارقة أخرى.

فالذي يستدعي حرب البسوس إلى الأمم المتحدة لا يستدعي المجد وحده؛ يستدعي كذلك شبح الحرب التي استطاعت أن تطول حتى غدت ذاكرةً أكثر من كونها حادثة.

وهذه هي المفارقة السودانية الكبرى.

أن يكون السودان في حاجة إلى العالم كي يتوقف عن التعامل معه كساحة صراع، بينما تحمل لغته في لحظة غضب ذاكرة حرب عربية قديمة لم تعرف كيف تتوقف.

أن تكون البلاد تبحث عن مخرج من الحرب، ثم تستدعي من الذاكرة صورة حربٍ أخرى ظلت قرونًا مضربًا للمثل في امتداد الثأر.

ولذلك فإن «شِسع نعل كُليب» يمكن أن تُقرأ بطريقتين.

في الأولى: صرخة كرامة.

وفي الثانية: تذكير مرير بما تفعله الحروب حين تتحول الخصومة إلى قضية وجود.

لقد كان الحارث، في تلك اللحظة، لا يتحدث فقط إلى المندوب الإماراتي.

كان يتحدث إلى جمهور سوداني واسع يريد أن يرى دولته تقول للآخرين: نحن هنا.

وهذا يفسر لماذا خرجت العبارة من قاعة الأمم المتحدة إلى الشارع السوداني، ثم إلى منصات التواصل والإعلام، وتحولت في نظر مؤيديها إلى رمز للمواجهة والكرامة الوطنية.

لكن قوة العبارة لا ينبغي أن تحجب السؤال الأكبر:

ماذا بعد أن تنتهي الجملة؟

فالسيادة ليست كلمة.

والكرامة ليست مقطعًا ينتشر في الهواتف.

والدولة لا تُحمى ببلاغة ممثلها وحدها.

إنما تُحمى بجيش منضبط و قادر علي الانتصار كما الان يحدث و يؤرق مضجعهم ، ومؤسسات حية، واقتصاد قادر، ودبلوماسية لا تضطر في كل مرة إلى أن ترفع صوتها كي تُسمع، وسلام لا يجعل كل خلاف مقدمةً لحرب جديدة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عن عبارة الحارث أنها نجحت في شيء تعجز عنه بيانات كثيرة:

لقد جعلت العالم يتذكر السودان.

لكن أصعب ما في الأمر هو أن تجعل العالم يتذكر السودان لا بسبب الحرب وحدها، ولا بسبب الخصومة مع الإمارات، ولا بسبب «شِسع النعل»، وإنما بسبب دولة استطاعت أن تخرج من الحرب دون أن تحمل الحرب داخلها إلى الأبد.

فكُليب مات.

وحرب البسوس انتهت.

لكن العرب ظلوا يروون قصتها قرونًا.

والسودان اليوم لا يحتاج إلى حربٍ جديدة كي يدخل التاريخ؛ يكفيه أن يجد طريقًا للخروج من الحرب التي دخلته.

أما «شِسع نعل كُليب»، فستبقى، شئنا أم أبينا، واحدة من أكثر العبارات اختصارًا للحظةٍ خرجت فيها الدبلوماسية السودانية من قاموس المجاملة إلى قاموس الكرامة.

غير أن الكرامة الحقيقية، في آخر المطاف، ان تهزم اعدائك داخلياً و خارجياً، و تجعلهم يتلعثمون في المحافل الدولية رهبةً و خوفاً من تاريخك و هيبتك و قوتك، وتجعلهم يتلعثمون في المحافل الدولية رهبةً و خوفاً من تاريخك و هيبتك و قوتك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى