مقالات الرأي
أخر الأخبار

قراءة إعلامية في خطاب مناوي: «توحيد الجيوش» ماذا قال مناوي؟ ولماذا قرأ السودانيون ما وراء العبارة؟ بقلم احمد اسماعيل حسن

قراءة إعلامية في خطاب مناوي: «توحيد الجيوش» ماذا قال مناوي؟ ولماذا قرأ السودانيون ما وراء العبارة؟

 

بقلم:احمد اسماعيل حسن

لم يكن خطاب حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي خطاباً عابراً في توقيته أو في القضايا التي أثارها، فقد جاء في لحظة سودانية شديدة الحساسية، تتداخل فيها التطورات العسكرية مع الحسابات السياسية، بينما أصبحت العبارات الصادرة عن القيادات العسكرية والسياسية مادة سريعة للاجتزاء والتأويل وإعادة الإنتاج عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ولعل أكثر ما استوقف المتابعين في خطاب مناوي هو حديثه عن «توحيد الجيوش»؛ وهي عبارة سرعان ما خرجت من سياق الخطاب إلى فضاء الأسافير، فتحولت من مفهوم سياسي وعسكري يحتاج إلى تفكيك، إلى عنوان مفتوح على عشرات القراءات والتفسيرات.

لكن القراءة الإعلامية الهادئة تقتضي العودة إلى السؤال الأساسي: هل كان مناوي يتحدث عن إنشاء جيش جديد؟ أم عن توحيد القوات والتشكيلات الموجودة داخل الدولة في مؤسسة عسكرية وطنية واحدة؟

أولاً: لماذا انفجرت عبارة «توحيد الجيوش» إعلامياً؟

السبب يعود إلى حساسية المفردة نفسها.

فالسودان يعيش حرباً بدأت أصلاً في ظل خلافات عميقة حول مستقبل المؤسسة العسكرية وترتيبات دمج القوات، ولذلك فإن عبارة «توحيد الجيوش» لا تُستقبل باعتبارها مجرد توصيف إداري أو عسكري، وإنما تحمل في داخلها أسئلة سياسية كبيرة حول القيادة والدمج والهوية العسكرية ومستقبل القوات التي تقاتل إلى جانب الجيش.

ومن هنا أصبح من السهل أن تتحول العبارة إلى مادة للتأويل.

فطرف قد يقرأها باعتبارها دعوة إلى دمج القوات المسلحة والقوات المشتركة والقوات المساندة في مؤسسة واحدة، بينما قد يذهب آخر إلى تفسيرها باعتبارها مشروعاً لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة.

والفارق بين القراءتين كبير.

ثانياً: السياق الأوسع لخطاب مناوي

عند وضع عبارة توحيد الجيوش بجوار مواقف مناوي الأخيرة، تظهر صورة أكثر اتساقاً.

فمناوي تحدث في مناسبات حديثة عن وحدة السودان، والسيادة، ورفض قيام سلطة موازية للدولة، كما أكد أن الجيش والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية والقوات المساندة تشكل، وفق تعبيره، ضمانة لوحدة الوطن.

كما دعا في سبتمبر الماضي إلى العمل المشترك وتقديم مصلحة الوطن، وتحدث عن أهمية وحدة الصف، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب العمل المشترك.

وبالتالي، فإن قراءة حديثه عن «توحيد الجيوش» بمعزل عن هذه السلسلة من المواقف قد تقود إلى استنتاجات أكبر من النص نفسه.

ثالثاً: «التوحيد» لا يعني بالضرورة «الإلغاء»

هذه هي النقطة التي تحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق الإعلامي.

في البيئات التي تتعدد فيها التشكيلات المسلحة، يمكن أن يعني التوحيد عدة أشياء مختلفة:

توحيد القيادة.

توحيد العقيدة العسكرية.

توحيد مراكز القرار.

دمج القوات في مؤسسة عسكرية واحدة.

تنظيم القوات المساندة وفق قانون واضح.

أو مجرد تنسيق العمليات بين تشكيلات مختلفة.

ولذلك فإن استخدام مصطلح «توحيد الجيوش» من دون تحديد المقصود به يفتح الباب واسعاً أمام التأويل.

وهنا تكمن مسؤولية الإعلام: ألا يحول المصطلح إلى حقيقة مكتملة قبل معرفة تفاصيله.

رابعاً: لماذا أثارت العبارة كل هذا الجدل؟

لأن السؤال الذي يسبق «كيف نوحد الجيوش؟» هو: من يقرر شكل الجيش القادم؟

وهذا سؤال سياسي بقدر ما هو عسكري.

فإذا كان المقصود هو الوصول إلى مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، فإن ذلك يستدعي بحثاً في ترتيبات القيادة، والرتب، والانتشار، والتسليح، والقوانين، وإعادة الهيكلة، ومستقبل القوات التي تشكلت خلال الحرب.

أما إذا كان المقصود مجرد تنسيق القوى الموجودة في الميدان، فذلك شيء آخر تماماً.

لذلك فإن الضجة الإسفيرية ربما تكون قد سبقت النص نفسه، إذ جرى التعامل مع العبارة بوصفها إعلاناً عن ترتيبات عسكرية مكتملة، بينما لا يكفي المصطلح وحده لإثبات ذلك.

خامساً: خطاب مناوي بين الداخل والخارج

من المهم أيضاً ملاحظة أن خطاب مناوي الأخير لا يتحرك في مسار عسكري فقط.

فخلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ركز على إيصال صوت السودان والدفاع عن وحدته وسيادته، وبعد عودته تحدث عن ضرورة تنسيق المواقف والتعبير عن الإرادة الوطنية.

وهذا يعني أن «توحيد الجيوش» يمكن قراءته داخل خطاب أوسع يسعى إلى تقديم صورة عن جبهة سودانية متماسكة في مواجهة الحرب والتدخلات الخارجية ومحاولات إنتاج سلطة موازية للدولة.

ومن هذه الزاوية، فإن الرسالة السياسية الأوسع تبدو مرتبطة بفكرة: لا يمكن بناء دولة موحدة مع تعدد مراكز القوة المسلحة خارج مؤسسة الدولة.

سادساً: المفارقة الإعلامية

المفارقة أن عبارة «توحيد الجيوش» قد تكون في حد ذاتها أقرب إلى الإجابة على إحدى أزمات السودان التاريخية، لكنها في الوقت ذاته من أكثر العبارات قابلية لإنتاج الخلاف.

فالحديث عن جيش وطني واحد يبدو، من الناحية النظرية، واضحاً؛ لكن الانتقال من الشعار إلى التطبيق يفتح ملفات شديدة التعقيد.

من يدخل المؤسسة؟

ومن يخرج منها؟

ومن يقود؟

وكيف تتم عملية الدمج؟

وماذا يحدث للقوات التي اكتسبت خبرة قتالية وتنظيماً مستقلاً خلال الحرب؟

وهل يكون الدمج فورياً أم مرحلياً؟

وهل تخضع العملية لاتفاق سياسي أم لقرار عسكري أم لتشريع دستوري؟

هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن يبحث فيها الإعلام، لا أن يكتفي بتداول العبارة.

سابعاً: هل كان خطاب مناوي إعلاناً عن ترتيبات عسكرية جديدة؟

من الناحية الإعلامية، لا ينبغي القفز إلى هذا الاستنتاج من مجرد عبارة «توحيد الجيوش».

المتاح من مواقف مناوي المنشورة يثبت تركيزه على وحدة السودان والعمل المشترك ورفض السلطات الموازية، كما أنه يضع الجيش والقوات المشتركة والقوات المساندة في إطار الدفاع عن وحدة البلاد.

لكن ذلك لا يكفي وحده للقول إن هناك ترتيبات تفصيلية محددة لدمج القوات أو إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية.

وهنا يجب التفريق بين النص، والتفسير، والتأويل.

النص هو ما قاله مناوي.

التفسير هو ما يمكن فهمه من السياق.

أما التأويل فهو ما يضيفه الآخرون إلى النص من توقعات واستنتاجات.

وهذه المستويات الثلاثة اختلطت بشدة في النقاش الإسفيري.

ثامناً: ما الرسالة السياسية الأهم في الخطاب؟

ربما لا تكمن الرسالة الأهم في كلمة «الجيوش» بقدر ما تكمن في كلمة «الوحدة».

فمناوي يتحرك في خطابه الأخير حول مجموعة مترابطة من المفاهيم: وحدة السودان، السيادة، رفض السلطة الموازية، العمل المشترك، حماية المدنيين، وعودة النازحين واللاجئين، ثم الانتقال إلى البناء والتعمير.

ومن ثم فإن وضع عبارة «توحيد الجيوش» داخل هذا السياق يجعلها أقرب إلى جزء من تصور سياسي أوسع لمستقبل الدولة بعد الحرب.

الخلاصة

الخطأ الإعلامي ليس في مناقشة عبارة «توحيد الجيوش»، وإنما في التعامل معها باعتبارها واضحة بذاتها.

فالعبارة تحتاج إلى أسئلة لا إلى تأويلات جاهزة.

إذا كان المقصود جيشاً وطنياً واحداً، فهذه قضية دولة ينبغي أن تناقش علناً وبقواعد قانونية واضحة.

وإذا كان المقصود تنسيق القوات الموجودة في جبهات القتال، فهذه قضية عسكرية مختلفة.

أما إذا كان المقصود إعادة ترتيب العلاقة بين القوات المسلحة والقوات المشتركة والقوات المساندة بعد الحرب، فإنها قضية أكبر تتصل بشكل الدولة وترتيباتها الأمنية والسياسية في مرحلة ما بعد الحرب.

ولهذا، فإن القراءة المهنية لخطاب مناوي لا ينبغي أن تبدأ منا السؤال: «ماذا أراد مناوي أن يقول؟» بقدر ما تبدأ من السؤال الأكثر دقة:

«ماذا قال مناوي فعلاً، وما الذي أضافه التأويل الإسفيري إلى كلامه؟»

وهنا تحديداً يمكن للإعلام أن ينتقل من صناعة الضجة إلى صناعة الفهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى