مقالات الرأي
أخر الأخبار

حين يصبح المسؤول أهم من المؤسسة.. من يحاكم شركة المعادن: الأداء أم الأشخاص؟ بقلم:احمد اسماعيل حسن

حين يصبح المسؤول أهم من المؤسسة.. من يحاكم شركة المعادن: الأداء أم الأشخاص؟

بقلم:احمد اسماعيل حسن

لفت الانتباه خلال السنوات التي تولى فيها المهندس مبارك عبد الرحمن أردول إدارة الشركة السودانية للموارد المعدنية حجم الحضور الإعلامي الذي رافق الرجل والمؤسسة معاً؛ أخبار وتصريحات وبيانات وردود وتعليقات وتحقيقات ومنشورات على المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى بدا في كثير من الأحيان أن الشركة نفسها تحولت إلى واحدة من أكثر المؤسسات حضوراً في المشهد العام.

لم يكن كل ذلك بالضرورة سلبياً؛ فالشركة مؤسسة اقتصادية مهمة، وقطاع المعادن من القطاعات ذات الصلة المباشرة باقتصاد البلاد وإيرادات الدولة، ومن الطبيعي أن يخضع أداؤها للرقابة والنقد والمساءلة. وقد شهدت فترة أردول بالفعل انتقادات لقضايا تتعلق بإدارة الموارد والعوائد والمسؤولية المجتمعية وتداخل الاختصاصات، وهي قضايا تستحق النقاش المهني بعيداً عن الأشخاص.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل كان أردول فوق النقد؟

بالطبع لا.

ولا هو: هل كانت هناك أخطاء أو ملاحظات على أداء الشركة؟

فهذا شأن ينبغي أن تحسمه الوثائق والتقارير والمراجعة والمؤسسات المختصة.

السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا كان اسم الشركة حاضراً بهذه الكثافة في الجدل العام عندما كان أردول على رأسها، ثم خفت كثيراً حدة الحديث عنها بعد مغادرته؟

هنا تحديداً ينبغي أن نتوقف.

إذا كانت القضية هي شركة الموارد المعدنية وأداؤها وشفافيتها وإدارتها للثروة الوطنية، فإن تغيير المدير لا ينبغي أن ينهي اهتمام الرأي العام بها. فالمؤسسة لا تنتهي بانتهاء فترة مسؤول، والذهب الذي تديره ليس ملكاً لشخص ولا لقبيلة ولا لإقليم ولا لحزب؛ إنه مورد قومي يخص السودانيين جميعاً.

أما إذا كان الجزء الأكبر من ذلك الصخب مرتبطاً بشخص المدير، فإننا أمام مشكلة أخرى أكثر خطورة: تحويل المؤسسات العامة إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية والشخصية.

وهذا لا يعني تبرئة أردول من أي نقد، ولا يعني أن كل ما نشر ضده كان باطلاً، كما لا يعني أن كل من انتقده كان يستهدفه شخصياً. فالصحافة الحرة من حقها أن تسأل وتحقق وتنتقد، ومن حق المواطن أن يطالب بالشفافية والمحاسبة.

لكن الفرق كبير بين النقد المهني الذي يبحث عن الحقيقة، وبين تحويل المسؤول إلى عنوان دائم لكل مشكلات المؤسسة، ثم تحويل المؤسسة نفسها إلى أداة في صراع سياسي أو جهوي.

الأخطر من ذلك أن بعض الخطابات التي رافقت الجدل حول أردول حاولت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نقل النقاش من مستوى الأداء الإداري والمالي إلى مستوى الانتماء الجهوي والهامش والمركز. وقد حذر خطاب سوداني سابقاً من استخدام قضايا العنصرية والهامش والمركز لتغطية خلافات إدارية بحتة، وهو ما يؤكد أن هذه المنطقة شديدة الحساسية وتحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: لا يجوز أن تتحول قضايا الهامش إلى حصانة من النقد، كما لا يجوز أن تتحول قضايا الفساد أو سوء الإدارة إلى ذريعة لاستهداف منطقة أو قبيلة أو مكون اجتماعي.

المسؤول يُحاسب على قراراته بصفته مسؤولاً، لا بصفته ابن إقليم.

والمؤسسة تُراجع باعتبارها مؤسسة دولة، لا باعتبارها ملكاً للجهة التي ينتمي إليها مديرها.

والمال العام لا يعرف شمالاً ولا جنوباً، ولا شرقاً ولا غرباً.

والذهب السوداني لا يحمل بطاقة قبلية.

المشكلة ليست في النقد.. المشكلة في انتقائية النقد

من حق الصحفي أن يفتح ملفاً، ومن حق المواطن أن يسأل، ومن حق الجهات الرقابية أن تحقق.

لكن الصحافة المهنية لا ينبغي أن تتحول إلى حملة مستمرة على شخص بعينه، ثم تتوقف بمجرد خروجه من المشهد.

إذا كانت هناك مخالفات، فلتُفتح الملفات حتى النهاية.

وإذا كانت هناك إنجازات، فلتُذكر حتى لا يصبح التاريخ مجرد سجل للاتهامات.

وإذا كانت هناك أموال عامة، فلتكن الحسابات والتقارير والمراجعة هي الفيصل.

وإذا كان هناك فساد، فليُسمَّ الفساد فساداً بالأدلة، لا بالمنشورات.

أما أن يظل المسؤول تحت القصف الإعلامي طوال فترة وجوده، ثم تختفي المؤسسة من دائرة الاهتمام بمجرد مغادرته، فذلك يستحق أن يكون موضوعاً للبحث الصحفي في حد ذاته.

من الشخصنة إلى المؤسسية.

السودان في حاجة اليوم إلى تأسيس ثقافة جديدة في التعامل مع الدولة.

ثقافة لا تجعل كل مؤسسة رهينة لشخص مديرها.

ولا تجعل كل مسؤول ممثلاً لقبيلته أو إقليمه.

ولا تجعل كل خلاف إداري معركة بين «المركز» و«الهامش».

ولا تجعل كل انتقاد لشخص قادماً من منطقة معينة يُفسَّر باعتباره استهدافاً لتلك المنطقة.

فالبلاد التي أنهكتها الحرب والانقسامات لا تحتمل المزيد من صب الزيت على نار الجهوية.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن استخدام الانتماءات الجغرافية والقبلية في الصراعات السياسية والإدارية لا يحل مشكلة، بل ينقلها من مستوى يمكن معالجته بالقانون والمؤسسات إلى مستوى أكثر خطورة يمس النسيج الاجتماعي نفسه.

ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن أردول كشخص، ولا الهجوم عليه كشخص.

المطلوب هو الدفاع عن حق السودان في إدارة موارده بشفافية، وعن حق الصحافة في النقد، وعن حق المؤسسات الرقابية في المحاسبة، وعن حق المواطن في معرفة أين تذهب ثروات بلاده.

السودان أولاً

ربما يكون الدرس الأهم من هذه التجربة أن علينا أن نتعلم كيف نفصل بين الأشخاص والمؤسسات.

قد ينجح مسؤول ويغادر.

وقد يخطئ مسؤول ويغادر.

وقد تختلف معه سياسياً وفكرياً.

لكن المؤسسة تبقى، والثروة تبقى، والوطن يبقى.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست مع مبارك أردول، ولا مع أي مسؤول آخر؛ وإنما مع ثقافة الشخصنة، وانتقائية المحاسبة، واستغلال القضايا العامة لأهداف سياسية أو شخصية أو جهوية.

السودان يحتاج إلى صحافة تسأل الجميع، لا صحافة تختار ضحاياها.

ويحتاج إلى مؤسسات تحاسب الجميع، لا مؤسسات تتحرك وفق موازين النفوذ.

ويحتاج إلى خطاب وطني يرى في التنوع قوة، لا وسيلة لتوزيع الاتهامات.

فليكن الذهب ذهب السودان كله، ولتكن شركة الموارد المعدنية مؤسسة لكل السودانيين، وليكن معيار الحكم على أي مسؤول هو ما فعل، وما أنجز، وما أخفق فيه، وما تثبته الوثائق والقوانين، لا من أي جهة جاء ولا إلى أي مكون ينتمي.

وفي بلد أنهكته الحرب، ربما يكون أعظم انتصار يمكن أن نحققه هو أن نتعلم أخيراً كيف نختلف دون أن نمزق الوطن، وكيف نحاسب دون أن نجهوي، وكيف ننتقد المسؤول دون أن نحاكم المنطقة التي جاء منها.

فالسودان أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأغلى من كل معركة عابرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى