حين يُستباح الدم السوداني.. أين تقف الدولة من حق مواطنيها؟ بقلم :إدريس هشابه

حين يُستباح الدم السوداني.. أين تقف الدولة من حق مواطنيها؟
بقلم :إدريس هشابه
ليست القضية مجرد حادثة قتل لمعدّنين سودانيين بطيرانٍ استهدفهم، وفق ما يجري تداوله، وليست تفصيلاً عابراً يمكن أن يبتلعه صمت الأيام وضجيج الأخبار. إنها قضية كرامة وطن، وهيبة دولة، وحق مواطنين سودانيين في أن يعرفوا كيف سُفكت دماؤهم، ومن المسؤول عنها، وما الذي ستفعله دولتهم حتى لا تتحول أرواحهم إلى أرقام في سجل الحوادث المنسية.
تتصدر الحادثة منصات التواصل الاجتماعي، وتتسع معها دائرة الأسئلة والغضب. وبينما تتداول الأوساط روايات وتفاصيل تحتاج إلى التحقق خصوصا وان السودان يتعرض لحرب يستخدم فيها الاعداء كل شي ويستغلون اي حادثه لتخريب علاقات السودان مع مصر ، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً موجهاً إلى الحكومة السودانية: أين الموقف الرسمي الذي يضع الرأي العام أمام حقيقة ما جرى، ويؤكد أن دم المواطن السوداني ليس أمراً يمكن تجاوزه؟
لا أحد ينكر عمق الروابط التاريخية والجغرافية والإنسانية بين السودان ومصر، ولا ينكر أهمية العلاقات بين البلدين في ظل تشابك المصالح وتحديات الإقليم. لكن العلاقات الراسخة لا تُحمى بالصمت، ولا تُصان بتأجيل الأسئلة، ولا تكتسب قوتها من تجنب الملفات الحساسة. بل إن صدقها يُختبر تحديداً عندما تقع أحداث موجعة تستوجب المكاشفة والمساءلة.
ليس المطلوب أن يدخل السودان في خصومة مع مصر، وإنما ألا تتحول المحافظة على العلاقات إلى مبرر للتنازل عن حق السودانيين في معرفة الحقيقة. فالدبلوماسية التي لا تحسن حماية الحقوق تفقد أحد أهم مبررات وجودها، والعلاقات التي تقوم على المصالح المشتركة لا تعني أن يصمت طرف حين يُصاب مواطنوه، أو أن تُقدَّم المجاملة السياسية على مقتضيات العدالة.
إن الدولة لا تُقاس قوتها بقدرتها على إصدار البيانات في أوقات الرخاء فحسب، وإنما بقدرتها على الوقوف خلف مواطنيها حين تضيق بهم السبل، وبمقدار ما تمنحه لدمائهم من قيمة في حسابات السياسة. فالمواطن الذي يعمل طلباً للرزق، ويواجه مخاطر الغربة وقسوة المهنة، من حقه أن يشعر بأن وراءه دولة تسأل عنه، وتتابع قضيته، وتطالب بحقه، ولا تترك أسرته فريسة للانتظار والتخمين.
والمطلوب اليوم موقف مسؤول يبدأ بالتحقق من ملابسات الحادثة، ويمر عبر التواصل الرسمي الجاد، وينتهي إلى تحقيق شفاف ومحاسبة قانونية إذا ثبتت المسؤولية. أما ترك المجال مفتوحاً للروايات المتضاربة، فإنه لا يخدم العلاقات بين البلدين، بل يوسع فجوة الشك ويمنح الغضب الشعبي أسباباً إضافية للتصاعد.
لقد آن الأوان لأن نفهم أن احترام الدول لا يتناقض مع احترام حقوق مواطنيها، وأن الندية ليست عداءً، كما أن المطالبة بالحق ليست خروجاً على مقتضيات الأخوة. الندية هي أن يعرف كل طرف أن مصالحه محفوظة بقدر احترامه لمصالح الطرف الآخر، وأن الصداقة الحقيقية لا تطلب من احد ان يبتلع وجعه حفاظا على صورة العلاقة.
إن أخطر مايمكن ان تواجهه الحكومة ليس غضب الناس وحده، بل شعورهم بأن دمائهم لاتجد من يحمل قضيتها إلى حيث ينبغي أن تصل.
السودان لايحتاج الى تصعيد إنفعالي كما يشتهي أنصار المليشيا وسدنتها التابعين لمحور اعداء السودان وشعبه ولا اتهامات تسبق نتائج التحقيق ومعرفة ملابسات الحادثة من الحكومة المصرية لكنه يحتاج في المقابل الي دبلوماسية لاتخشي السؤال وموقف لايساوم على الحقوق وخطاب رسمي يضع الحقائق امام الشعب بوضوح وشجاعة.
فالعلاقات بين الشعبين السوداني والمصري أكبر من حادثة نعم لكنها لاتصبح أقوى بطمس الحوادث وإنما بالعدل والشفافية واحترام الكرامة الإنسانية.
الدم السوداني ليس ورقة في بازار السياسة، وكرامة المواطن ليست ثمنا لاستمرار العلاقات ومن حق الشعب السوداني ان يعرف: ماذا حدث ومن المسؤول وماذا فعلت الحكومة؟