«الفاشرعام على المجزرة:من يحاكم القتلة ومن يحاسب العالم؟» بقلم أحمد إسماعيل حسن

«الفاشرعام على المجزرة:من يحاكم القتلة ومن يحاسب العالم؟»
حين انتصر السلاح على الإنسان، وتحوّلت مدينة سودانية إلى شاهد على أبشع انتهاكات الحرب
بقلم: أحمد إسماعيل حسن
ليس كل سقوطٍ هزيمة عسكرية، وليس كل صمتٍ حياداً، وليس كل بيان إدانة دليلاً على امتلاك الإرادة لحماية الأبرياء. ففي السادس والعشرين من أكتوبر، ونحن نستعيد الذكرى الأولى لسقوط الفاشر في قبضة قوات الدعم السريع، لا نستحضر خسارة مدينة فحسب، بل نستعيد واحدة من أكثر الصفحات دموية وإيلاماً في حرب السودان، صفحةً كُتبت بدماء المدنيين، وصراخ الضحايا، ودموع الأمهات، ووجع الناجين الذين خرجوا من المدينة بأجساد أنهكها الرعب وذاكرة لن تنجو بسهولة من هول ما رأت.
لقد سقطت الفاشر بعد حصار طويل، وسط تحذيرات متكررة من كارثة إنسانية وشيكة. وحين وقع الهجوم الأخير، لم تكن المخاوف مجرد توقعات سياسية، بل تحولت إلى مشاهد قتل وانتهاكات جسيمة وثقتها شهادات الناجين والتقارير الحقوقية والأممية.
عام مضى، لكن جريمة الفاشر لم تصبح ماضياً، ودماء ضحاياها لم تتحول إلى أرقام، وحقوق أهلها لم تسقط بسقوط مدينتهم.
لم تكن معركة عسكرية عادية
ما جرى في الفاشر لا يمكن اختزاله في عبارة «مدينة سقطت في الحرب»، لأن هذه العبارة، على بساطتها الظاهرية، قد تحجب وراءها حقيقة ما تعرض له المدنيون من فظائع.
لقد وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان انتهاكات واسعة ارتُكبت خلال الهجوم، شملت القتل الجماعي والإعدامات الميدانية والعنف الجنسي والاختطاف والتعذيب والنهب والاختفاء القسري. وأفاد تقرير أممي صدر في فبراير 2026 بمقتل أكثر من ستة آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم، مع ترجيحات بأن تكون الحصيلة الفعلية أعلى من ذلك.
هذه ليست أرقاماً عابرة في نشرة إخبارية؛ إنها أسماء وحيوات وأسر سُحقت تحت وطأة العنف. إنها أب فقد أبناءه، وأم انقطع خبر طفلها، وأسرة خرجت من منزلها ولم تعد تعرف إن كان لها منزل تعود إليه أصلاً.
والأخطر من حجم القتل هو ما أظهرته الشهادات بشأن استهداف أشخاص على أسس إثنية، وما صاحب الهجوم من أنماط عنف أثارت مخاوف جدية من جرائم دولية بالغة الخطورة.
وفي يوليو 2026، قالت منظمة العفو الدولية، استناداً إلى تحقيقاتها، إن قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وعمليات تطهير عرقي خلال حملتها للاستيلاء على الفاشر ومحيطها. كما خلصت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إلى أن الفظائع المرتكبة في المدينة تحمل سمات الإبادة الجماعية.
وأمام هذه النتائج، لم يعد مقبولاً التعامل مع ما حدث باعتباره مجرد رواية لطرف في مواجهة رواية طرف آخر. فهناك شهادات وأدلة وتحقيقات تستوجب أن تأخذ العدالة مجراها، وأن يخضع المسؤولون عن الجرائم للمحاسبة وفق القانون.
إن محاولة تذويب هذه الفظائع في ضجيج الحرب، أو تبريرها بشعارات سياسية وعسكرية، ليست سوى محاولة للتنصل من المسؤولية الأخلاقية والقانونية.
لا توجد قضية عسكرية تبرر قتل المدنيين، ولا راية سياسية تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم، ولا انتماء قبلي أو إثني يجعل دم الإنسان أقل قيمة من دم غيره.
الدعم السريع.. من ادعاء حماية المدنيين إلى أسئلة المحاسبة
إن المسؤولية عن الانتهاكات التي وثقتها الجهات الحقوقية خلال الهجوم على الفاشر تضع قوات الدعم السريع وقياداتها أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو البيانات أو محاولات تبرير ما حدث.
كيف يُفسر قتل المدنيين؟ ومن المسؤول عن الإعدامات الميدانية؟ وما مصير الذين اختُطفوا أو أُخفوا قسراً؟ ومن يحاسب على الاعتداءات الجنسية والتعذيب والنهب؟ وأين يوجد الذين اقتيدوا من منازلهم ومراكز الإيواء ولم يظهر لهم أثر؟
هذه ليست أسئلة دعائية، بل حقوق للضحايا وواجبات لا يجوز التهرب منها.
وإذا كانت القيادة العسكرية والسياسية لقوات الدعم السريع تسعى إلى تقديم نفسها طرفاً يمكن أن يكون جزءاً من مستقبل السودان، فإن أول اختبار جدي لذلك لا يكون عبر التصريحات السياسية، وإنما عبر كشف مصير المفقودين، ووقف الانتهاكات، والتعاون مع التحقيقات المستقلة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم.
أما محاولة التنصل من المسؤولية، أو التقليل من حجم المأساة، أو تصوير الشهادات المروعة باعتبارها مجرد دعاية سياسية، فلن تمحو الوقائع، ولن تعيد الضحايا إلى أسرهم، ولن تمنح المتورطين حصانة من العدالة.
المسؤولية الجنائية لا تُحسم بالاتهامات وحدها، بل بالأدلة والتحقيقات والمحاكمات العادلة. لكن هذا المبدأ القانوني لا يجوز اتخاذه ذريعة لتعطيل التحقيق أو إسكات الناجين أو تأجيل العدالة إلى أجل غير معلوم.
أين كان العالم حين كانت الفاشر تستغيث؟
إذا كانت الفاشر قد شهدت فشلاً عسكرياً في حمايتها، فإن العالم شهد بدوره فشلاً أخلاقياً وسياسياً في منع الكارثة أو الحد من آثارها.
لقد توالت التحذيرات بشأن الحصار والمجاعة ومخاطر الهجوم، وكانت المؤشرات واضحة بما يكفي لتدق ناقوس الخطر. ومع ذلك، لم تنجح التحركات الدولية في منع الفظائع التي وقعت عندما سقطت المدينة.
وبعد عام، يحق للسودانيين أن يسألوا بمرارة: ماذا فعلت بيانات القلق والإدانة لحماية المدنيين؟ وما قيمة القرارات الدولية إذا لم تُترجم إلى خطوات عملية؟ ولماذا يبدو القانون الدولي قوياً في الخطابات، بينما تتراجع فعاليته أمام معاناة شعب أعزل؟
إن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن إخفاقه في توفير الحماية الكافية للمدنيين، وعن محدودية قدرته على تحويل التحذيرات إلى إجراءات فاعلة.
ولا يكفي أن تصدر العواصم بيانات الأسف، أو أن تعقد المنظمات المؤتمرات، ثم تنتقل إلى أزمة أخرى بينما يبقى الناجون بلا حماية، والمفقودون بلا إجابات، والضحايا بلا إنصاف.
المطلوب ليس مزيداً من البلاغة الدبلوماسية، بل تحرك جاد لوقف الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم التحقيقات الدولية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، والعمل على منع تدفق الأسلحة التي تسهم في استمرار الحرب.
كما يتعين على الدول التي تملك نفوذاً على أطراف النزاع أن تجيب بوضوح عن سؤال جوهري: هل تستخدم هذا النفوذ لإنقاذ السودانيين، أم أن حسابات المصالح تسمح باستمرار المأساة؟
إن الصمت حين تكون القدرة على التأثير متاحة ليس موقفاً بلا تبعات؛ فكل تأخير في التحرك قد يترك مدنيين آخرين في مواجهة المصير نفسه.
لا تجعلوا دماء الفاشر مادة للمساومة السياسية
من المؤسف أن تتحول المآسي الإنسانية أحياناً إلى أوراق في صراع الروايات، وأن يُستدعى الضحايا عندما يخدم ذكرهم موقفاً سياسياً، ثم يُنسوا عندما تتعارض حقوقهم مع حسابات المصالح.
إن دماء أهل الفاشر أكبر من أن تكون مادة للمزايدة، وأسمى من أن تُستخدم لتبرير الانتهاكات في مكان آخر.
فمن يدين جرائم الفاشر ثم يصمت عن قتل المدنيين في مدينة سودانية أخرى لا يدافع عن العدالة، بل ينتقي ضحاياه وفقاً لموقعهم في الصراع. ومن يطالب بمحاسبة طرف ويتجاهل الأدلة على انتهاكات يرتكبها طرف آخر، إنما يحول العدالة إلى أداة سياسية.
الموقف الأخلاقي الصحيح لا يحتاج إلى تردد: إدانة الجرائم أياً كان مرتكبوها، وحماية المدنيين دون تمييز، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون.
لكن وضوح هذا المبدأ لا يعني المساواة الآلية بين جميع الوقائع أو تجاهل الأدلة التي تحدد مسؤولية كل طرف. بل يعني أن لكل جريمة تحقيقها، ولكل ضحية حقها، ولكل متهم محاكمة عادلة، وأنه لا يجوز أن تصبح السياسة ستاراً يحجب الحقيقة.
إن إنصاف ضحايا الفاشر لا يتحقق بتوظيف مأساتهم، بل بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين، ومنع تكرار الجريمة.
الفاشر ليست نهاية الحكاية
بعد عام على سقوط المدينة، لا تزال مأساة الفاشر حاضرة في حياة الناجين والنازحين. فالنزوح لم ينهِ معاناتهم، والنجاة من الرصاص لا تعني النجاة من الجوع والمرض والفقد والصدمة النفسية.
هناك أسر تبحث عن مفقوديها، وأطفال حُرموا من التعليم، ونساء يحملن آثار العنف، وشيوخ فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، وشباب فرقتهم الحرب في دروب النزوح.
هؤلاء لا يحتاجون إلى كلمات التعاطف وحدها، بل إلى حماية حقيقية ومساعدات مستدامة ورعاية صحية ونفسية، وإلى ضمانات تسمح لهم بالعودة الطوعية والآمنة والكريمة عندما تصبح العودة ممكنة.
كما تحتاج الفاشر إلى مشروع جاد لإعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة فتح المدارس والمرافق الصحية والأسواق، ومعالجة آثار الدمار الاجتماعي والاقتصادي الذي خلفته الحرب.
غير أن إعادة بناء الجدران وحدها لا تكفي؛ فالمدينة التي تعرض أهلها للقتل والانتهاكات تحتاج أيضاً إلى استعادة الثقة والأمان والعدالة. ولن يتحقق ذلك ما لم يُكشف مصير المفقودين، وتُحفظ الأدلة، ويُحاسب المسؤولون، ويُمنع تكرار الجرائم.
العدالة ليست انتقاماً.. والنسيان ليس سلاماً
قد يحاول البعض الدعوة إلى تجاوز ما حدث باسم السلام، وقد يرى آخرون أن الحديث عن المحاسبة يعقد فرص التسوية السياسية. لكن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة جوهرية: السلام الذي يُطلب من الضحايا أن يدفعوا ثمنه من حقوقهم ليس سلاماً مستداماً، بل تأجيل لأزمة قد تنفجر من جديد.
لا يمكن مطالبة أم فقدت أبناءها بأن تنسى، ولا مطالبة ناجٍ تعرض للتعذيب بأن يتعامل مع الجريمة وكأنها لم تقع، ولا مطالبة مجتمع استُهدف على أساس هويته بأن يقبل الصمت مقابل وعود سياسية.
وفي المقابل، فإن العدالة لا تعني الانتقام الجماعي، ولا تبرر استهداف جماعة إثنية أو قبلية بأكملها، ولا تمنح أحداً الحق في ارتكاب جريمة جديدة بحجة الثأر لجريمة سابقة.
العدالة تعني تحديد المسؤولية الفردية، والتحقيق المستقل، والمحاكمة العادلة، وجبر الضرر، وحماية الشهود، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
إن أخطر ما يمكن أن تتركه الفاشر وراءها ليس الدمار وحده، بل الاعتقاد بأن القوة قادرة على فرض الوقائع وإسكات الضحايا والإفلات من الحساب.
ومن هنا، فإن معركة السودان من أجل السلام يجب أن تكون أيضاً معركة من أجل دولة القانون، التي لا تُقاس فيها الحقوق بالقبيلة أو السلاح، ولا يُمنح فيها القاتل حصانة بسبب نفوذه، ولا يُترك فيها الضحايا لمواجهة مصيرهم وحدهم.
كلمة أخيرة: الفاشر لن تُنسى
في الذكرى الأولى لسقوط الفاشر، لا نكتب لنستعيد الحزن وحده، بل لنرفض تحويل الجريمة إلى ذكرى عابرة، وللتأكيد أن حقوق الضحايا لا تسقط بمرور الزمن، وأن الحقيقة لا يجوز أن تُدفن تحت ركام المدن.
نكتب من أجل الذين قُتلوا، والذين اختفوا، والذين اغتُصبت كرامتهم، والذين فروا تاركين وراءهم بيوتهم وذكرياتهم، والذين ما زالوا ينتظرون خبراً يبدد ظلام المجهول.
ونكتب أيضاً من أجل السودان، حتى لا تتحول مأساته إلى دورة لا تنتهي من القتل والثأر، وحتى لا يصبح استهداف المدنيين أمراً معتاداً في حسابات الحرب.
لقد سقطت الفاشر قبل عام، لكن السؤال الذي بقي واقفاً هو: من سيحاسب على دماء أبنائها، ومن سيعيد للناجين حقهم في الأمان، ومن سيمنع تكرار هذه المأساة؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها الخطب، ولا تحسمها الدعاية، ولا تُسقطها التسويات التي تتجاوز حقوق الضحايا. الإجابة الحقيقية تبدأ بتحقيق مستقل، ومحاسبة عادلة، وحماية فعالة للمدنيين، وإرادة دولية لا تخضع للمساومة.
ستظل الفاشر جرحاً في جسد السودان، وشاهداً على ما يمكن أن تفعله الحرب حين تنفلت من كل قيد أخلاقي وقانوني. وستظل دماء ضحاياها أمانة في ضمير كل من يؤمن بحق الإنسان في الحياة والكرامة.
فالمدن قد تسقط، لكن الجرائم لا تصبح مشروعة بسقوطها، والضحايا قد يغيبون عن المشهد، لكن حقوقهم لا تغيب، والعدالة قد تتأخر، لكنها تظل المعيار الذي يُقاس به صدق الحديث عن السلام.
الفاشر لن تُنسى، ودماء ضحاياها لن تكون ثمناً رخيصاً في سوق السياسة، والعدالة ستظل حقاً لا تنازل عنه.
