
السودان من ثراء الموارد إلى صناعة الثروة
لا تُقاس ثروة الدول بما تختزنه أرضها من موارد فحسب، بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى إنتاج مستدام، وفرص عمل، وقيمة اقتصادية تعود بالنفع على المجتمع. وبين امتلاك الثروة وصناعتها، تتحدد المسافة التي تفصل الاقتصاد الريعي عن الاقتصاد المنتج.
في هذا السياق، تبرز فرص التعاون الاستثماري بين السودان وقطر بوصفها نافذة يمكن أن تسهم في إعادة توجيه الإمكانات السودانية نحو الإنتاج والتصنيع، خصوصاً في قطاعي الثروة الحيوانية والسمكية، اللذين يمتلك السودان فيهما مقومات واسعة لم تُستثمر بعد بما يتناسب مع حجمها.
فقد أُعلن في أكتوبر 2026 عن اهتمام شركة اتحاد المستقبل القابضة القطرية بالاستثمار في قطاعي الثروة الحيوانية والسمكية بالسودان، بما يشمل التوجه نحو إنشاء مدن للإنتاج الحيواني، وذلك عقب لقاء مع وزارة الثروة الحيوانية والسمكية السودانية، اتُّفق خلاله على المضي نحو توقيع مذكرة تفاهم لتحديد مجالات التعاون.
ويمثل هذا الاهتمام فرصة تستحق المتابعة، لكنه يظل خطوة أولية ينبغي البناء عليها، لا مشروعاً مكتملاً يمكن الحكم على نتائجه قبل استيفاء متطلبات التنفيذ والتمويل.
فالسودان لا يحتاج إلى استثمارات تكتفي باستخراج موارده أو تصديرها في صورتها الخام، بقدر حاجته إلى مشروعات متكاملة تعيد تشكيل دورة الإنتاج من بدايتها إلى نهايتها. ففي قطاع الثروة الحيوانية، لا تقف الفرصة عند تربية الماشية وتصديرها، بل تمتد إلى تطوير الخدمات البيطرية، وإنتاج الأعلاف، وإنشاء المسالخ الحديثة، والتصنيع الغذائي، والتبريد، والتعبئة، وفتح أسواق أكثر تنوعاً للمنتجات السودانية.
أما قطاع الأسماك، فيمكن أن ينتقل من الاستغلال التقليدي للمصادر الطبيعية إلى مشروعات الاستزراع السمكي، وتطوير المفرخات، وإنتاج الأعلاف، والتصنيع، وسلاسل التبريد والتوزيع. وهنا تتضاعف القيمة الاقتصادية؛ لأن المنتج لا يعود مجرد مورد يُباع، بل يتحول إلى سلسلة من الأنشطة التي تخلق فرص العمل، وتدعم الصناعات المرتبطة بها، وتزيد مساهمة الإنتاج المحلي في الاقتصاد.
وتبرز ولاية الجزيرة ضمن المواقع التي تستحق الدراسة لمثل هذه المشروعات، في ضوء ما طُرح بشأن إنشاء مدن متكاملة للإنتاج الحيواني والسمكي. غير أن اختيار الموقع ينبغي أن يستند إلى دراسات جدوى فنية واقتصادية وبيئية، وتوافر البنية التحتية والمياه والطاقة، وسهولة النقل والتسويق، إلى جانب ضمان حقوق المجتمعات المحلية والمنتجين.
إن نجاح الاستثمار لا يتوقف على حجم رأس المال وحده، بل على وضوح الشراكة، واستقرار البيئة التشغيلية، وسلامة الإجراءات القانونية، والقدرة على تحويل الخطط إلى مشروعات قابلة للقياس والتقييم. كما أن نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتأهيل الكفاءات السودانية، وإشراك المنتجين المحليين، عناصر أساسية لضمان أن تتجاوز آثار الاستثمار حدود المشروع نفسه إلى بناء قدرة إنتاجية وطنية مستدامة.
ومن هنا، يمكن للشراكة القطرية السودانية أن تكون مدخلاً لتعاون اقتصادي منتج، إذا انتقلت من التفاهمات الأولية إلى مشروعات ممولة، وجداول تنفيذ واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في حجم الإنتاج المتوقع وحده، بل في ما يتركه الاستثمار من خبرات، وقدرات صناعية، وأسواق، وفرص عمل، وإمكانات للنمو بعد اكتمال المشروع.
والأهم أن ينظر السودان إلى هذه الفرص بعقلية الشراكة التي تحقق المصالح المتبادلة؛ فالمستثمر يحتاج إلى بيئة جاذبة وعائد مجزٍ، والسودان يحتاج إلى استثمار يضيف إلى اقتصاده، ويعزز قدرته على الإنتاج، ويسهم في تحسين حياة مواطنيه. وبين المصلحتين يمكن بناء علاقة اقتصادية أكثر رسوخاً من الاتفاقات العابرة، إذا قامت على الوضوح والالتزام والنتائج.
إن المرحلة التي يمر بها السودان تجعل من إعادة بناء الاقتصاد ضرورة تتجاوز الحسابات التجارية الضيقة. فالإنتاج هو أحد مداخل الاستقرار، والعمل الكريم أساس من أسس التعافي، وتنويع مصادر الدخل ضرورة لتقليل هشاشة الاقتصاد أمام الأزمات.
فالثروة الحقيقية ليست ما تختزنه الأرض والمياه من موارد، بل ما يستطيع الإنسان أن يبنيه منها من إنتاج ومعرفة وكرامة اقتصادية.
……ابو يامن …..