مقالات الرأي
أخر الأخبار

قراءة تحليلية لخطاب الببرهان امام القنة الافريقية الروسية بموسكو بقلم:احمد اسماعيل حسن

قراءة تحليلية لخطاب الببرهان امام القنة الافريقية الروسية بموسكو

 

بقلم:احمد اسماعيل حسن

 

 

في توقيت بالغ الحساسية من تاريخ السودان، وفي ظل حرب تجاوزت آثارها حدود المواجهة العسكرية لتصبح قضية إقليمية ودولية تتداخل فيها المصالح والتحالفات، جاء خطاب رئيس مجلس السيادة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان أمام القمة الروسية الأفريقية الثالثة بالعاصمة موسكو، حاملاً جملة من الرسائل السياسية والاستراتيجية التي تستحق التوقف عندها.

فالخطاب، في جوهره، لم يكن مجرد استعراض للعلاقات التاريخية بين السودان وروسيا، أو تعبير عن الامتنان للمواقف الروسية، بل مثّل محاولة لتقديم الرؤية السودانية للأزمة أمام منصة دولية تضم قيادات أفريقية ودولية، وإعادة طرح القضية السودانية من زاوية السيادة الوطنية وحق الدولة في حماية مؤسساتها ووحدة أراضيها، بعيداً عن محاولات اختزال الأزمة في كونها صراعاً داخلياً على السلطة.

أولاً: تعددية الأقطاب.. رسالة تتجاوز العلاقات السودانية الروسية

من أبرز ما يمكن استخلاصه من الخطاب تأكيد البرهان على ضرورة بناء عالم متعدد الأقطاب، مستنداً إلى مبادئ السيادة المتساوية بين الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

هذه العبارة ليست مجرد توصيف للتحولات الجارية في النظام الدولي، وإنما تحمل دلالات سياسية واضحة، خصوصاً في ظل تصاعد الاستقطاب الدولي وتنافس القوى الكبرى على النفوذ في أفريقيا.

والسودان، من خلال هذا الموقف، يعلن انفتاحه على بناء علاقات دولية لا تقوم على الارتهان لمحور واحد، وإنما على تنويع الشراكات وتعدد الخيارات بما يخدم مصالحه الوطنية.

كما أن الإشارة إلى تعددية الأقطاب تحمل رسالة ضمنية مفادها أن الدول الأفريقية ينبغي ألا تكون مجرد ساحات لتصفية الحسابات الدولية، بل أطرافاً فاعلة تمتلك حق اختيار تحالفاتها وتحديد أولوياتها التنموية والأمنية.

ثانياً: سبعون عاماً من العلاقات.. الانتقال من التاريخ إلى الشراكة الاستراتيجية

توقف البرهان عند مرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين السودان وروسيا، وهي مناسبة استثمرها لتأكيد عمق الروابط الثنائية والتطلع إلى الارتقاء بها نحو مستوى الشراكة الاستراتيجية.

وهنا تبرز أهمية الخطاب في ربط البعد التاريخي بالاحتياجات الراهنة للسودان.

فالسودان لا يبحث عن علاقات دبلوماسية تقليدية فحسب، بل يحتاج إلى شراكات اقتصادية واستثمارية وتقنية تسهم في إعادة بناء ما دمرته الحرب، وتساعد على استعادة قدرات الدولة في قطاعات الطاقة والنفط والتعدين والزراعة والبنية التحتية والتعليم.

ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن الشراكة الاستراتيجية ينبغي أن يُقرأ باعتباره توجهاً نحو تحويل الرصيد السياسي والدبلوماسي إلى مصالح اقتصادية ملموسة، وهو ما يتطلب الانتقال من لغة التفاهمات إلى الاتفاقيات والمشروعات القابلة للتنفيذ.

ثالثاً: السيادة الوطنية.. جوهر الرسالة السياسية للخطاب

احتلت قضية السيادة الوطنية موقعاً مركزياً في خطاب البرهان، خاصة عندما أشاد بالمواقف الروسية الداعمة لوحدة السودان وسلامة أراضيه ورفض التدخلات الخارجية.

وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من طبيعة الحرب التي يشهدها السودان منذ أبريل 2023، وما صاحبها من تعقيدات إقليمية ودولية، فضلاً عن الاتهامات المتبادلة بشأن تقديم الدعم السياسي والعسكري واللوجستي لأطراف الصراع.

واللافت أن البرهان لم يقدم الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية داخلية فحسب، بل ربط استمرارها بما وصفه بالدعم الإقليمي والدولي الذي تتلقاه المليشيا المتمردة.

وهذا الربط يمثل محاولة لنقل النقاش الدولي من التركيز على نتائج الحرب الإنسانية وحدها إلى البحث في أسباب استمرارها، ومصادر الإمداد والدعم، ومسؤولية الأطراف التي تسهم في إطالة أمدها.

ومن المهم هنا أن تتحول هذه الرسائل السياسية إلى مسار دبلوماسي وقانوني يستند إلى الأدلة الموثقة، بما يتيح للمؤسسات الدولية التعامل مع الوقائع بصورة واضحة.

رابعاً: السلام دون إملاءات.. تحديد شروط التسوية السياسية

من أكثر المحاور أهمية في الخطاب تأكيد البرهان أن السلام يجب أن يكون سودانياً خالصاً، دون إملاءات أو تدخلات خارجية.

هذه العبارة تحمل موقفاً تفاوضياً واضحاً، يقوم على أن مسؤولية الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة ينبغي أن تكون في المقام الأول مسؤولية السودانيين أنفسهم.

لكن الأهمية الحقيقية لهذه الرسالة لا تكمن في رفض التدخل الخارجي وحده، وإنما في ضرورة التمييز بين الوساطة الدولية التي تساعد على تقريب وجهات النظر، وبين فرض حلول سياسية لا تستند إلى توافق وطني.

فالمجتمع الدولي يستطيع أن يوفر الضمانات ويساعد في تهيئة المناخ للحوار، لكنه لا يستطيع أن يصنع سلاماً مستداماً بمعزل عن الإرادة الوطنية.

ومن هنا فإن نجاح هذا الطرح يرتبط بمدى قدرة القوى السودانية على بناء أرضية مشتركة تتجاوز الاستقطاب والانقسامات، وتضع مصلحة البلاد ووحدتها فوق الحسابات الحزبية والسياسية.

خامساً: الانتقال المدني والانتخابات.. الرسالة المتعلقة بمستقبل الدولة

لم يقتصر الخطاب على تناول الحرب والعلاقات الخارجية، بل تضمن تصوراً لمستقبل العملية السياسية في السودان، من خلال التأكيد على التهيئة للانتقال المدني الديمقراطي عبر حوار سوداني سوداني شامل، يعقبه طور انتقالي ثم انتخابات حرة ونزيهة تحت مراقبة إقليمية ودولية.

وهذه الإشارة مهمة لأنها تضع في الخطاب تصوراً سياسياً يتجاوز المرحلة العسكرية الراهنة، ويؤكد أن المخرج النهائي للأزمة ينبغي أن يكون عبر عملية سياسية تفضي إلى حكم مدني ديمقراطي.

غير أن هذا المسار يظل مرتبطاً بعدد من الاستحقاقات، أبرزها وقف الحرب، وتهيئة البيئة السياسية والأمنية، وضمان المشاركة الواسعة للقوى الوطنية، والاتفاق على قواعد الانتقال ومؤسساته.

وبالتالي فإن قيمة هذا الطرح ستُقاس بمدى تحوله إلى برنامج سياسي واضح، بآليات وجداول زمنية وضمانات تضمن عدم إعادة إنتاج الأزمات التي قادت البلاد إلى الحرب.

سادساً: لماذا موسكو؟ وما الذي تعنيه المنصة الروسية الأفريقية للسودان؟

اختيار منصة القمة الروسية الأفريقية لطرح هذه المواقف يحمل دلالات تتجاوز طبيعة العلاقات الثنائية.

فالقمة التي جمعت قيادات أفريقية وممثلين عن عشرات الدول تتيح للسودان مخاطبة جمهور دولي واسع، وتقديم رؤيته بشأن الحرب والسيادة الوطنية ومستقبل العلاقات الدولية.

كما أن روسيا تمثل بالنسبة للسودان شريكاً دولياً مهماً، بالنظر إلى علاقات البلدين التاريخية ومواقف موسكو داخل مجلس الأمن الدولي.

لكن الأهم أن الحضور السوداني في هذا المحفل يتيح إعادة وضع السودان ضمن أجندة العلاقات الأفريقية الدولية، بدلاً من أن تظل قضيته محصورة في اجتماعات الوساطة والبيانات المتعلقة بالأزمة الإنسانية.

وهذا يفرض على الدبلوماسية السودانية استثمار المنصة في بناء تحالفات وشراكات تتجاوز المواقف السياسية إلى التعاون الاقتصادي والاستثماري والأمني والتقني.

سابعاً: ما بعد الخطاب.. اختبار الانتقال من الرسائل إلى النتائج

على الرغم من أهمية الرسائل التي حملها الخطاب، فإن التحدي الأساسي يكمن في تحويلها إلى نتائج عملية.

فالدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب تحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة، والحديث عن الشراكة الاستراتيجية يحتاج إلى مشروعات واتفاقيات، والتأكيد على السيادة الوطنية يحتاج إلى تحرك دبلوماسي وقانوني مستمر، أما الدعوة إلى السلام والحوار الوطني فتحتاج إلى إرادة سياسية وآليات تنفيذ واضحة.

كما أن السودان بحاجة إلى توظيف علاقاته مع روسيا وبقية الشركاء الدوليين في دعم جهود إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الأساسية، وتطوير قطاعات الإنتاج، وتهيئة الظروف لعودة المواطنين إلى مناطقهم.

خاتمة: خطاب يطرح معركة السودان على طاولة العلاقات الدولية

يمكن قراءة خطاب البرهان أمام القمة الروسية الأفريقية باعتباره محاولة لتوسيع دائرة الحضور الدبلوماسي السوداني، وإعادة تقديم الأزمة من منظور يجمع بين الدفاع عن السيادة الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، والبحث عن شراكات دولية متوازنة، والتأكيد على أن السلام والاستقرار لا يتحققان إلا بإرادة سودانية.

لقد حمل الخطاب ثلاث رسائل رئيسية: أن السودان يتمسك بوحدة دولته وسيادته، وأنه يسعى إلى بناء علاقات دولية تقوم على المصالح المتبادلة واحترام استقلال القرار الوطني، وأن الحرب مهما طال أمدها لا ينبغي أن تكون نهاية الطريق، بل مدخلاً لإعادة بناء الدولة على أسس مدنية وديمقراطية.

غير أن المرحلة المقبلة ستظل محكومة بقدرة الدبلوماسية السودانية على تحويل هذه الرسائل إلى مواقف دولية داعمة، وشراكات اقتصادية حقيقية، ومسار سياسي يقود إلى سلام مستدام.

فالحضور في المحافل الدولية مهم، لكن الأهم هو ما يستطيع السودان تحقيقه من خلالها. والسيادة التي تُطرح على المنابر ينبغي أن تجد ترجمتها في واقع يحفظ للدولة وحدتها، ول لمواطن أمنه وكرامته، وللوطن حقه في مستقبل مستقر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى