مقالات الرأي
أخر الأخبار

الإسراء والمعراج… حين تصبح القيم ضرورة في زمن بلا قدوات بقلم :إدريس هشابه

الإسراء والمعراج… حين تصبح القيم ضرورة في زمن بلا قدوات

بقلم :إدريس هشابه

ذكرى الإسراء والمعراج، بعيدًا عن بعدها الديني التعبدي، تفتح بابًا للتأمل في فكرة أعمق: كيف تُبنى القيادة، وكيف تُستعاد البوصلة، وكيف يُنقذ الإنسان من الانكسار حين يشتد الضغط ويغيب الأمل.
نعيش اليوم زمنًا غريبًا؛ وفرة في الوسائل، فقر في المعاني. التكنولوجيا تملأ الوقت، لكنها لا تملأ الفراغ. الشاشات تصنع نجومًا، لكنها نادرًا ما تصنع قدوات. ومع تراجع النموذج الأخلاقي، لم يعد السؤال: ماذا نملك؟ بل: من نكون؟ وإلى أين نتجه؟
في هذا السياق، تصبح الإسراء والمعراج – كفكرة لا كطقس – درسًا في أن الإنسان قبل أن يقود واقعًا، يحتاج أن يُعاد بناؤه من الداخل. فكل مشروع عام، وكل تغيير حقيقي، يبدأ بلحظة وعي، لا بضجيج إعلامي ولا بشعارات براقة.
لقد جاءت تلك اللحظة – في سياقها التاريخي – بعد أقسى مراحل الانكسار: فقد، عزلة، رفض اجتماعي، وسدّ للأفق. وهي الحالة نفسها التي يعيشها كثيرون اليوم: أفراد ومجتمعات فقدوا الثقة، وتعرضوا للإحباط، وشعروا أن العالم يدفعهم إلى الهامش. هنا يصبح السؤال الجوهري: هل ننسحب، أم نعيد تعريف أنفسنا؟
الدرس الأول الذي يمكن استلهامه هو أن القيادة الحقيقية لا تُصنع في لحظات الانتصار، بل في أزمنة الانكسار. فالثبات الداخلي، والقدرة على رؤية الصورة الأكبر، هما ما يميز القائد عن العابر، وصاحب الرسالة عن الباحث عن الشهرة.
والدرس الثاني أن توسيع الأفق شرط للخروج من الأزمة. فالانغلاق داخل الدائرة الضيقة – سواء كانت فردية أو جغرافية أو فكرية – يعمّق الهزيمة. أما الربط بين التجربة المحدودة والمعنى الإنساني الأوسع، فهو ما يحوّل الألم إلى طاقة، والمعاناة إلى وعي.
أما في زمن سيطرة التفاهة، حيث تُقاس القيمة بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة، تذكّرنا هذه الذكرى أن الانضباط الداخلي أهم من الاستعراض، وأن البناء الصامت أصدق من الضجيج. فالمجتمعات لا تنهض بالترندات، بل بالقيم التي تحكم السلوك اليومي، وتضبط العلاقة بين الفرد وذاته، وبين الإنسان والسلطة، وبين الحرية والمسؤولية.
ثم هناك درس بالغ الأهمية: لا مشروع بلا صف مؤمن به، ولا فكرة كبرى بلا اختبار حقيقي لأصحابها. فالتاريخ لا تصنعه الجموع المترددة، بل القلة الواضحة التي تؤمن قبل أن تنتصر، وتتحمل قبل أن تحكم.
في عالم اليوم، حيث تُختزل القدوة في صورة، والنجاح في لقطة، والرسالة في إعلان، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة فكرة الاقتداء لا بوصفها تكرارًا للماضي، بل بوصفها استلهامًا لمعنى القيادة الأخلاقية في زمن فقد بوصلته.
الإسراء والمعراج – بهذا الفهم – ليست حكاية عن الهروب من الواقع، بل عن الاستعداد لمواجهته بوعي أعمق، ونفس أطول، وقيم أعلى. هي تذكير بأن التقدم الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من لحظة صادقة يعيد فيها الإنسان ترتيب أولوياته، ويختار المعنى بدل التفاهة، والقدوة بدل الشهرة، والمسؤولية بدل الاستهلاك.
وفي زمن ندرة القدوات، ربما لا نحتاج إلى معجزات جديدة، بقدر حاجتنا إلى إنسان يعيد اكتشاف نفسه، ويؤمن أن القيم ما زالت قادرة على إنقاذ المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى