مقالات الرأي
أخر الأخبار

البحر الأحمر تعود… وشاشات الوطن تستعيد نبض الخرطوم بقلم: إدريس هشابه

البحر الأحمر تعود… وشاشات الوطن تستعيد نبض الخرطوم
بقلم: إدريس هشابه

انطلق بالأمس بث قناة البحر الأحمر بعد توقفٍ دام أكثر من عامين فرضته ظروف الحرب، لتعود إلى الشاشة وهي تحمل في طياتها دلالاتٍ أعمق من مجرد استئناف بث. إنها عودة روحٍ إلى الإعلام في شرق السودان، وبداية استعادة العافية لمؤسسات اضطلعت بدور وطني في لحظةٍ فارقة من تاريخ البلاد.
وخلال تلك الفترة الاستثنائية، قدّمت كوادر التلفزيون القومي، ومعهم زملاؤهم في قناة النيل الأزرق وقناة البحر الأحمر، وبمشاركة عناصر من قناتي الشمالية وولاية كسلا، تجربةً مهنيةً جديرةً بالتوقف عندها. كانت تجربةً صاغتها الضرورة وصقلتها الإرادة؛ إذ تحوّل المكان، بما فيه من أجهزة ومعدات وكوادر، إلى ركيزةٍ في مشروع البث المشترك، ذلك المشروع الأكبر الذي اصطفّ للتصدي لخطاب المليشيا وداعميها، وتحصين الجبهة الداخلية بسردية وطنية مسؤولة.
لم تكن قناة البحر الأحمر في تلك المرحلة مجرد محطة إقليمية، بل كانت جزءاً من منظومة وطنية متكاملة، ورافعةً إعلاميةً أسهمت في سد الفراغ، وتأكيد حضور الدولة عبر الكلمة والصورة. وهنا تتجلّى أهمية التجربة بوصفها نموذجاً لما يمكن أن يحققه التكامل بين المركز والولايات حين تتوحّد الرسالة وتتكامل الأدوار.
لقد أكدت تلك المرحلة ضرورة بلورة رؤية موحّدة لإعلامٍ وطنيٍّ هادف، صاحب رسالة، في زمنٍ تتعدد فيه المنابر وتتنازع فيه الأصوات. فالإعلام لم يعد ناقلاً للخبر فحسب، بل شريكاً في تشكيل الوعي، وحارساً للسردية الوطنية، ومسؤولاً عن ترسيخ القيم الجامعة في وجدان المجتمع.
وما كان لتلفزيون البحر الأحمر أو الشمالية أن يقدّما هذه الإضافة النوعية لولا نظام الحكم اللامركزي الذي وسّع دائرة السلطات والخدمات على الولايات، ومكّنها من بناء قدراتها المؤسسية والإعلامية. لقد أثبتت التجارب الناجحة أن اللامركزية ليست نصوصاً إدارية جامدة، بل فرصةً حقيقية لتوسيع المشاركة وتعزيز الفاعلية، متى ما أُحسن استثمارها.
إن عودة قناة البحر الأحمر اليوم تمثل خواتيم مرحلةٍ استثنائية كانت فيها القناة مصطفّة ضمن مشروع وطني أكبر، كما تمثل في الوقت ذاته بداية مرحلة جديدة عنوانها التطوير والبناء على ما تحقق. فالتجارب الرائدة لا ينبغي أن تتوقف بانتهاء الظرف الذي أوجدها، بل تتطور لتصبح جزءاً أصيلاً من مشروع إعلام وطني متكامل، يُعبّر عن كل الوطن ويجعل من تنوّعه مصدر قوةٍ ووحدة.
كل الأمنيات الصادقة للزملاء الأعزاء في قناة البحر الأحمر بالتوفيق والسداد وهم يستأنفون رسالتهم المهنية، ويقدّمون الإضافة المنتظرة للإعلام السوداني ولولايتهم الكريمة. فكل أجزائه لنا وطن، وكل شاشاته منصات لحكاية واحدة: حكاية شعبٍ يتعافى، ويبني، ويؤمن بأن الكلمة الصادقة شريكٌ أصيل في صناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى