حين يتحول التنظير إلى بديلٍ عن الحضور… قراءة في مقال د. مزمل سليمان حمد بقلم :احمد البجاوي

حين يتحول التنظير إلى بديلٍ عن الحضور… قراءة في مقال د. مزمل سليمان حمد
بقلم :احمد البجاوي
ليس من الغريب أن تظهر بين الحين والآخر مقالات تتحدث عن الإعلام الرسمي في السودان، فالإعلام بطبيعته ساحة مفتوحة للنقد والتقييم والمساءلة. لكن الغريب حقًا أن يتحول النقد أحيانًا إلى إنشاءٍ إنشائيٍّ طويلٍ بلا سندٍ من واقع التجربة، أو إلى محاولة لإعادة كتابة المشهد من خارج الميدان.
وهذا بالضبط ما يمكن أن يخرج به القارئ من مقال الدكتور مزمل سليمان حمد المعنون: “ماذا يحدث داخل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون؟”.
فالمقال، على امتداده الطويل، يبدو أقرب إلى حديقة من الكلمات المنمقة منه إلى قراءة واقعية لما جرى ويجري داخل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها البلاد.
بين من كانوا في الميدان… ومن اكتفوا بالمراقبة
الحقيقة التي يعرفها كل من تابع تلك المرحلة أن لحظة تمرد المليشيا وما تبعها من حرب وضعت مؤسسات الدولة – وعلى رأسها الإعلام الرسمي – أمام اختبار وجودي حقيقي.
وفي تلك اللحظة لم يكن النقاش نظريًا حول “المدرسة الإعلامية” أو “التقاليد المهنية”، بل كان السؤال المباشر: كيف يمكن إعادة تشغيل الإذاعة والتلفزيون في ظل الحرب؟
هناك من اختار أن يكون جزءًا من الإجابة، وهناك من اختار أن يراقب المشهد من بعيد.
ولعل الدكتور مزمل يدرك قبل غيره أن بعض المحاولات جرت بالفعل لتشغيل تلفزيون السودان من خارج البلاد، وتحديدًا من القاهرة، لكنها لم ترَ النور لأسباب عديدة. ولو كُتب لتلك التجربة أن تتم، لوجدنا أنفسنا أمام سابقة غريبة: تلفزيون دولة يعمل من دولة أخرى.
أما الواقع الذي تجاهله المقال، فهو أن التلفزيون اليوم يعمل من داخل السودان، رغم كل الظروف، وبجهد مشترك لعدد من الكوادر الإعلامية التي اختارت البقاء والعمل لا الاكتفاء بالتنظير.
تجربة البث المشترك… حين يتكامل الإعلام الوطني
من الحقائق التي أغفلها المقال أيضًا أن البث الحالي ليس جهد مؤسسة واحدة، بل تجربة تعاون إعلامي واسعة.
فالتلفزيون يعمل اليوم بكوادر خليط من منسوبي التلفزيون القومي وعدد من القنوات الولائية إضافة إلى قناة النيل الأزرق، كما يتم البث عبر قناة البحر الأحمر التي يشارك عدد من منسوبيها في هذا العمل المشترك.
ولعل من المفارقة أن الدكتور مزمل نفسه شغل في فترة سابقة منصب مدير قناة البحر الأحمر، وهي القناة التي تسهم اليوم في هذا البث الوطني المشترك.
هذه التجربة، بعيدًا عن النظرة الضيقة، يمكن قراءتها باعتبارها ترجمة عملية لمقولة: “كل أجزائه لنا وطن”، كما أنها تفتح الباب لتبادل الخبرات وتوحيد الخطاب الإعلامي في لحظة وطنية دقيقة.
لكن يبدو أن من اعتاد النظر إلى المشهد من زاوية التنظير فقط قد لا يرى هذه الأبعاد.
عن “المكاسب المالية” التي اكتشفها المقال
ذهب المقال أيضًا إلى الإيحاء بأن العاملين في الإذاعة والتلفزيون يحصلون على مكاسب مالية خاصة نتيجة عملهم خلال الحرب.
والحقيقة أن هذا الطرح يفتقر إلى الدقة؛ لأن المبالغ التي أشار إليها ليست حكرًا على منسوبي الهيئة، بل حصل عليها العاملون في مؤسسات الدولة والوزارات المختلفة باعتبارها استحقاقات مرتبطة بظروف العمل خلال فترة الحرب.
ولم نرَ في أي مؤسسة حكومية أخرى حديثًا مماثلًا عن “مكاسب مالية”، كما حاول المقال أن يصور الأمر.
العودة إلى أم درمان ليست قرارًا إداريًا
ومن بين ما تجاهله المقال كذلك أن عودة التلفزيون إلى مقره التاريخي في أم درمان ليست مسألة قرار إداري أو رغبة معنوية فحسب.
فالمؤسسات الإعلامية، بخلاف كثير من المؤسسات الأخرى، تحتاج إلى تجهيزات فنية وهندسية وتقنية معقدة تشمل الاستديوهات وأجهزة البث وشبكات النقل والمونتاج والبنية التقنية كاملة.
بمعنى آخر:
العودة إلى مبنى التلفزيون ليست مجرد “مكتب وترابيزة” يمكن نقلها في يومٍ أو يومين.
الفاشر… بين الوقائع والخيال
ومن أكثر ما أثار الدهشة في المقال حديثه عن تقصير التلفزيون في تغطية ما يجري في الفاشر أثناء الحصار.
والواقع أن التلفزيون القومي كان لديه مراسل يعمل من داخل الفاشر نفسها، ظل يقدم تقارير دورية ويجري مقابلات مع المسؤولين والمواطنين، كما تابع العمليات العسكرية عبر نشرات الأخبار والبرامج المختلفة.
بل إن المفارقة الأكبر أن مدير الهيئة وجّه في وقت سابق بتجهيز كاميرا للدكتور مزمل نفسه للذهاب إلى الفاشر إذا كان حريصًا على نقل الصورة من هناك.
لكن ما حدث – كما يعرف كثيرون – أن صاحب الفكرة اختفى وأغلق هاتفه الجوال.
ما أسهل التنظير…
في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي:
هل المشكلة في الإعلام الرسمي؟ أم في الطريقة التي ينظر بها البعض إلى الواقع من مسافة آمنة؟
فالتجارب الصعبة لا تُكتب بالحبر فقط، بل تصنعها الأقدام التي تقف في الميدان.
أما المقالات التي تُكتب من بعيد، فهي في كثير من الأحيان لا تتجاوز كونها تمارين في البلاغة أكثر منها قراءة في الواقع.
ولهذا يمكن القول ببساطة:
ما أسهل التنظير… وما أصعب العمل.
فالذين أعادوا تشغيل الإذاعة والتلفزيون في زمن الحرب ربما لم يجدوا وقتًا لكتابة المقالات الطويلة، لكنهم كانوا مشغولين بشيء أكثر أهمية: إبقاء صوت السودان حيًا على الهواء.