مقالات الرأي
أخر الأخبار

بين التحرير والانفلات: من يحرس الطمأنينة في سوق ليبيا؟

بين التحرير والانفلات: من يحرس الطمأنينة في سوق ليبيا؟

لم يكن موضوع تطهير ولاية الخرطوم من قبضة المليشيا حدثًا عابرًا في عناوين الاخبار وذاكرة السودانيين، بل شكّل لحظة فارقة أعادت الأمل في استعادة الدولة لهيبتها، وفتحت الباب واسعًا أمام حلم العودة والاستقرار. غير أن هذا الأمل، على أهميته، يظل هشًّا ما لم يُترجم إلى واقع أمني ملموس يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
في هذا السياق، يثير ما يُتداول عن حالة انفلات أمني بسوق ليبيا غربي أم درمان قدرًا كبيرًا من القلق المشروع. فقد أشار تعليق مقتضب على صفحة الاستاذ محمد حامد جمعه نوار إلى تواتر معلومات عن عمليات سلب وخطف، إلى جانب انتشار مقلق لتجارة المخدرات، بل وتحذيرات صريحة من مجرد إخراج الهاتف للتصوير داخل السوق، لما قد ينطوي عليه ذلك من مخاطر. مثل هذه الشهادات، إن صحت، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد حالات معزولة، بل مؤشرات تستدعي الوقوف عندها بجدية ومسؤولية.
من غير المنطقي أن تعجز الأجهزة الأمنية التي نجحت في استعادة كامل الولاية من المليشيا وهي قوة مسلحة ومدججة، عن فرض الأمن في نطاق جغرافي محدود كسوق يُعد من أكبر المراكز التجارية وأكثرها حيوية وكثافة سكانية. فالتحدي هنا ليس في الإمكانات، بل في سرعة الانتقال من مرحلة العمليات العسكرية إلى مرحلة تثبيت الأمن المدني، وهي المرحلة التي تُقاس بها فعليًا قدرة الدولة على استعادة عافيتها.
إن الأمن هو الشرط الأول لعودة الحياة. فبدونه لا يمكن أن تنتعش التجارة، ولا أن يطمئن المواطن على نفسه وماله، ولا أن تتشجع الأسر على العودة إلى ديارها. ومن هذا المنطلق، فإن أي مظاهر انفلات—even وإن كانت محدودة—تحمل آثارًا نفسية مضاعفة، إذ تبعث برسائل سالبة قد تُقوّض ما تحقق من إنجازات، وتؤجل رهانات التعافي والاستقرار.
سوق ليبيا، بحكم موقعه وحجمه، ليس مجرد فضاء للبيع والشراء، بل هو مرآة لحالة الأمن في واحدة من أكثر مناطق العاصمة ازدحامًا. لذلك فإن إعادة الانضباط إليه تمثل أولوية قصوى، تبدأ بتكثيف الوجود الأمني الفاعل، وتنتهي بتنظيم السوق، وفتح ممراته، وإزالة العشوائيات والمخلفات التي قد تُستغل كبيئة حاضنة للجريمة.
كما أن الدور لا يقتصر على الأجهزة النظامية وحدها، بل يمتد إلى المنظومة العدلية، التي يقع على عاتقها التعامل بحزم ومهنية مع كل من يهدد أمن المواطنين، عبر إجراءات قانونية ناجزة ومحاكمات سريعة تحقق الردع العام وتعيد الثقة في سيادة القانون.
إن الحرب، في معناها العميق، لا تنتهي بمجرد دحر المليشيا من الأرض، بل تستمر في معركة فرض النظام، وتجفيف منابع الفوضى، واستعادة الإحساس بالأمان. فالمليشيا ليست فقط سلاحًا يُحمل، بل سلوكًا ينفلت، وثقافةً تستدعي المواجهة بالحسم والعدالة معًا.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي اليوم هو في قدرة الدولة على تحويل نصر الميدان إلى استقرار دائم، يشعر به المواطن في الأسواق قبل المؤسسات، وفي تفاصيل يومه قبل عناوين الأخبار. فالأمن، حين يترسخ، لا يُعلن عنه… بل يُعاش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى