مقالات الرأي
أخر الأخبار

أبيي بين إخلاص الانتماء وأخطاء الإدارة جلال الجاك أدول منبر-الكلمة

أبيي بين إخلاص الانتماء وأخطاء الإدارة

جلال الجاك أدول
منبر-الكلمة

ليس من العدل، ولا من النزاهة الفكرية، أن يُفهم أي نقد لإدارة ملف أبيي على أنه استهداف لطرف بعينه، أو تقليل من جهوده. فالحقيقة التي يجب تثبيتها منذ البداية هي أن هناك قيادات من دينكا نقوك تعمل ليل نهار، بإخلاص واضح، من أجل تثبيت تبعية أبيي للسودان وتعزيز حضورها السياسي والإداري. هذا جهد يُحترم ويُقدّر، ولا يمكن القفز فوقه أو إنكاره.
لكن، وفي ذات الوقت، فإن الإخلاص وحده لا يكفي لصناعة الحلول، كما أن حسن النية لا يعفي من المساءلة. فالقضايا الكبرى، كقضية أبيي، لا تُدار بالعاطفة أو الانتماء فقط، بل تحتاج إلى عقل سياسي منفتح، يستوعب التعقيد، ويُشرك الجميع في صناعة القرار.
المعضلة التي تواجه أبيي اليوم لا تكمن في غياب الجهود، بل في طبيعة النهج الذي تُدار به هذه الجهود. فحين تُختزل إدارة ملف متعدد الأطراف في رؤية مكوّن واحد مهما كانت دوافعه وطنية فإن النتيجة الحتمية هي إقصاء غير مباشر للطرف الآخر، وتآكل تدريجي لفرص التوافق.
لقد أشرتُ في مقالات سابقة، وبوضوح لا يحتمل التأويل، إلى ضرورة تغيير رئيس اللجنة الإشرافية المشتركة لمنطقة أبيي – جانب السودان. ولم تكن تلك الدعوة نابعة من موقف شخصي، أو خصومة سياسية، بل من قراءة موضوعية لمسار الأزمة، التي أثبتت أن القيادة الحالية – بغض النظر عن نواياها لم تنجح في بناء الحد الأدنى من الثقة المطلوبة لإدارة هذا الملف الحساس.
وسأظل أكرر هذا المطلب، وأكتب عنه، حتى يصل الصوت إلى متخذي القرار. لأن الصمت في مثل هذه القضايا ليس حياداً، بل تواطؤ غير مباشر مع استمرار الأزمة.
إن المطلوب اليوم ليس إقصاء أحد، بل العكس تماماً: المطلوب هو إدارة تُشرك الجميع، وقيادة محايدة لا تُحسب على هذا الطرف أو ذاك، بل تُحسب على الاستقرار نفسه. شخصية تستطيع أن تجلس إلى الجميع، وتُقنع الجميع، وتُدير الملف بعقل الدولة لا بعقل المكوّن.
قد يرى البعض أن تغيير القيادة خطوة حساسة، أو حتى مخاطرة سياسية. لكن الحقيقة التي يجب مواجهتها هي أن الإبقاء على الوضع الحالي هو المخاطرة الأكبر. لأن استمرار إدارة أبيي بذات الأدوات، وذات العقلية، لن يقود إلا إلى نفس النتائج: جمود، توتر، وانعدام ثقة.
إن إنصاف قيادات دينكا نقوك لا يعني الصمت على أوجه القصور، كما أن الدعوة للإصلاح لا تعني التقليل من التضحيات. بل إن جوهر المسؤولية الوطنية يقتضي الجمع بين التقدير والمراجعة، بين الاعتراف بالجهد والمطالبة بالتطوير.
أبيي لا تحتاج إلى مزيد من النوايا الحسنة، بل إلى قرارات شجاعة.
ولا تحتاج إلى إدارة أحادية، بل إلى شراكة حقيقية.
ولا تحتاج إلى أصوات صامتة، بل إلى أقلام تكتب… حتى يُسمع الصوت.
وسأظل أكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى