
صرخة في وادي الصمت
✍️ أمنية مصطفي عبدالله
لم تعد الأزمة مجرد زيادات في الأسعار، بل أصبحت انفجاراً يومياً في تكلفة الحياة، يلتهم ما تبقى من قدرة المواطن على الصمود . السلع الأساسية تقفز بلا سقف، والمحروقات تشتعل أسعارها، بينما تُطلق الوعود في الهواء بلا أثر على أرض الواقع.
أما “حكومة الأمل” فقد تحولت في نظر كثيرين إلى حكومة قرارات مؤجلة، تتخبط بين إعلان لا يُنفذ، وملفات تُركن في الأدراج، في وقتٍ لم يعد فيه المواطن يحتمل مزيداً من الانتظار أو التجريب.
ثلاثة أشهر مضت من هذا العام ولم تُحرّك ساكناً في ملف الأجور رغم الانهيار المتسارع في القوة الشرائية. راتب الموظف لم يعد يكفي لأيام، بل ربما لا يصمد حتى لحظة استلامه. فكيف يُطلب من إنسان أن يعمل وينتج وهو عاجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة؟
من يعطلون هذه القرارات، هل يعيشون ذات الواقع؟ هل يشترون من نفس الأسواق؟ أم أنهم في معزلٍ عن هذا الانهيار تحميهم الامتيازات والحوافز من الإحساس بما يجري؟
العامل اليوم لا يطلب رفاهية، بل يطلب البقاء. يطلب القدرة على إطعام أسرته، تعليم أبنائه، ودفع إيجاره دون أن يُسحق تحت ديون تتراكم بلا نهاية. يذهب إلى عمله مثقلاً بالهموم، مشغول الذهن، منهك الروح، فكيف ننتظر منه أداءً أو إنتاجاً في ظل هذا الواقع القاسي؟
أما المعاشيون، فقصتهم أكثر إيلاماً. رجل تجاوز الخامسة والستين، أفنى عمره في خدمة الدولة، لا يتجاوز معاشه 40 ألف جنيه. مبلغ لا يكفي حتى تكلفة المواصلات إلى البنك. أليس هذا سقوطاً أخلاقياً قبل أن يكون فشلاً اقتصادياً؟
إن تجاهل هذه الأزمة لم يعد مجرد تقصير، بل هو دفع مباشر نحو الانهيار الاجتماعي. فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تبدأ عندما يُترك المواطن وحيداً في مواجهة الغلاء، وعندما يفقد الأمل في أن هناك من يسمع أو يستجيب.
إن أي تأخير في معالجة الأجور أو ضبط الأسواق، أو توفير الوقود، لم يعد يُحتمل تبريره. فالجوع لا ينتظر، والحياة لا تُدار بالتصريحات.
هذه ليست مجرد كلمات، بل إنذار واضح إن استمرار هذا الوضع يعني مزيداً من التدهور، ومزيداً من الاحتقان، ومجتمعاً يفقد توازنه يوماً بعد يوم.
هذه صرخة… لكنها هذه المرة ليست في وادي الصمت، بل في وجه واقع لا يمكن السكوت عليه
ونلتقي