
حين تُستدعى العنصرية… آخر أسلحة الفشل
بقلم: إدريس هشابه
بعد أن أخفقوا في الاستيلاء على السلطة، رغم ما أُريق من دماء وما تزال، لم يجد حلفاء المليشيا سبيلاً سوى اللجوء إلى أخطر الأوراق وأكثرها فتكًا: إشعال فتيل العنصرية. وهي، في واقع الأمر، ليست سوى سلاح مجرَّب، وقنبلة موقوتة لا تحتاج سوى شرارة لتنفجر في وجه الجميع.
السودان، للأسف، يقف على أرضٍ رخوة في هذا الملف؛ إذ لم تنجح الدولة، منذ الاستقلال، في صياغة مشروع وطني جامع يُدير التنوع الإثني إدارة رشيدة، أو يحوّله إلى مصدر قوة بدل أن يظل بؤرة هشاشة. بل إن التقصير يمتد إلى غياب قوانين صارمة تُجرّم التمييز على أساس اللون أو العِرق أو الانتماء القبلي، وهو ما جعل هذا الداء يتسلل حتى إلى داخل القبيلة الواحدة، في مفارقة مؤلمة تعكس عمق الأزمة.
ولعل الحكايات اليومية تكشف ما تعجز عنه التحليلات المجردة. صديقٌ لنا، ينحدر من القبائل النيلية، لكنه كردفاني النشأة والوجدان، وتحديدًا من مدينة الأبيض التي يسكنها قلبًا وذاكرة. تزوج من إحدى القبائل المعروفة، واستقر وسط أهل زوجته، مشاركًا لهم الحياة بكل تفاصيلها. غير أنه، وبعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا، ظل يُنادى بـ”الغريب”. قالها لي يومًا بنبرةٍ مازحة تخفي مرارة الحقيقة: “فقدت الأمل في أن ينصلح حال المجتمع إلا بقوانين رادعة تُجرّم القبلية.”
ضحكنا حينها، لكن العبارة بقيت عالقة كجرس إنذار.
ما يحدث ليس مجرد خلل اجتماعي ، بل أزمة بنيوية تُهدد فكرة الدولة ذاتها. فحين تُختزل الهوية في القبيلة، وتُستدعى العصبية كبديل للوطن، يصبح الانقسام هو القاعدة، ويغدو العنف احتمالًا دائمًا.
غير أن التجارب الإنسانية تثبت أن هذا المصير ليس حتميًا. ففي رواندا، التي شهدت واحدة من أبشع المآسي في القرن العشرين خلال الإبادة الجماعية في رواندا 1994 بين الهوتو والتوتسي، بدا المشهد وكأنه نهاية التاريخ المشترك. لكن الدولة والمجتمع اختارا طريقًا آخر: العدالة الانتقالية، المصالحة المجتمعية، وإعادة تعريف الهوية الوطنية على أساس المواطنة لا الانتماء العرقي. أُلغيت الإشارات الرسمية للانتماءات القبلية، وسُنّت قوانين صارمة تُجرّم خطاب الكراهية، وصار الانتماء لـ”رواندا” أولًا، لا للهوتو أو التوتسي.
وفي المقابل، سلكت الدول الغربية مسارًا تراكميًا يجمع بين الوعي والقانون. ففي الولايات المتحدة، لم تُنهِ نهاية الحرب الأهلية الأمريكية التمييز، لكن النضال الطويل، الذي تُوّج بتشريعات مثل قانون الحقوق المدنية 1964، وضع أساسًا قانونيًا صارمًا لمواجهة العنصرية. وترافق ذلك مع جهود تعليمية وإعلامية عززت ثقافة التنوع وقبول الآخر.
وفي كندا، جرى تبني سياسات “التعددية الثقافية” التي تعترف بالاختلاف وتحميه، بينما تفرض في الوقت ذاته سقفًا قانونيًا يمنع تحوله إلى أداة تمييز أو إقصاء.
الدرس هنا واضح: لا يكفي الوعظ الأخلاقي وحده، ولا يُجدي القانون بمعزل عن وعيٍ مجتمعي. إنما المطلوب معًا: تشريعٌ رادع، وثقافةٌ جامعة.
السودان اليوم في مفترق طرق. فإما أن يُترك هذا الملف لقوى العبث، فتُستدعى العنصرية كلما تعثرت مشاريع السلطة، وإما أن يُبادر إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد، يقوم على المواطنة المتساوية، ويُجرّم بوضوح كل أشكال التمييز، ويُعيد الاعتبار لفكرة الوطن كهوية جامعة لا تُقصي أحدًا.
إن أخطر ما في العنصرية أنها لا تقتل ضحاياها فقط، بل تقتل المستقبل نفسه. ولذلك، فإن مواجهتها ضرورة وجودية لبقاء الدولة.
وما لم يُدرك السودانيون ذلك، فإن “الغريب” لن يكون ذلك الصديق وحده… بل قد يصبح الوطن كله غريبًا في عيون أبنائه.