
الخنساء مجدي تكتب …
علم بلا اخلاق … خدعة مؤجلة
في لحظة تختصر مسار الانحدار لم يكن المشهد مجرد طالبة تبكي بعد امتحان بل كان مرآةً مكبرة لخللٍ عميق يضرب وجدان المجتمع دموع لم تُسكب خجلاً من خطأ بل احتجاجاً على مراقب نزيه أدّ واجبه كلمات لم تُقل اعتذاراً
بل جاءت محملة بـ”حسْبنات” مقلوبة تُصور الغش كأنه حق مسلوب وتُلبس الأمانة ثوب الاعتداء
هنا لا نتحدث عن واقعة عابرة … بل عن انقلاب صامت في المفاهيم
أخطر ما في هذا المشهد ليس “قصاصة غش” خُبئت في يد مرتجفة بل تلك القناعة الراسخة التي خرجت بها الطالبة إلى العلن
أن النجاح يمكن أن يُنتزع بالخديعة وأن من يمنع ذلك إنما يمارس “ظلماً”! هذه ليست مجرد جرأة … بل إعادة تعريف للحق نفسه
لقد انتقلنا من جيل كان يخجل من الخطأ إلى جيل يطالب بحقه فيه ومن طالب كان يهاب الامتحان إلى طالب يساوم ومن احترام المعلم إلى محاكمته أخلاقياً لأنه أدّى واجبه
إنها لحظة سقوط مدوٍّ لهيبة “القيمة” قبل أن تكون أزمة سلوك فردي
في هذا الزمن المربك لم يعد المراقب حارساً للنزاهة، بل عقبةً أمام “تحقيق الهدف”
أي هدف؟ النجاح بأي ثمن ولو كان الثمن هو الحقيقة نفسها
تلك المراقِبتان لم تكونا مجرد موظفتين داخل لجنة امتحان بل كانتا تقفان في الخط الأخير للدفاع عن مصداقية *الشهادة السودانية* تلك الشهادة التي يأتي إليها عدد مقدر من طلاب الدول العربية من كل فج عميق للحصول عليها لما تتميز به من اعترف عالمي
*ففي أوروبا معترف بها كشهادة ثانوية عامة مثلها مثل الشهادة الفرنسية (Bac) و ألامانية*
ما نشهده ليس حادثة فردية بل امتداد لثقافة بدأت تتسلل بهدوء إلى عقول الناشئة
ثقافة تبرر التحاي، وتُزين الغش وتُقنع صاحبها بأن “الكل يفعل ذلك”
لكن الحقيقة القاسية أن من يبدأ بالغش في ورقة امتحان قد لا يجد حرجاً لاحقاً في الغش في اي شيء وهنا تكمن أزمة الضمير
قد يطالب البعض بعقوبة أو إجراءٍ تأديبي لكن الحقيقة أن العقوبة وقعت بالفعل وبأقسى صورها
فالكلمات التي خرجت من فم الطالبة لم تكن هى وثيقة إدانةٍ
علنية لقد سجلت على نفسها لحظة سقوط أخلاقي ستظل تلاحقها
لقد سجنت نفسها في خطابها قبل أن يحاكمها أحد
حماية الشهادة السودانية لا تبدأ من قاعات الامتحان فقط…
بل من إعادة الاعتبار لقيمة “الأمانة” وتجريم ثقافة التحايل المبرر أو نُسلّم بأن الغش أصبح “مهارة” تُكافأ
العلم بلا أخلاق ليس علماً بل قناع أنيق لفراغ كبير و خدعة مؤجلة.
وكل نجاح بُني على غش هو سقوط ينتظر لحظة الحقيقة
و أن يؤمن الطالب أن النجاح الذي لا يُبنى على جهد هو سقوط مؤجل
و على الطالب أن يدرك أن كرامة المراقب ليست خياراً وأن المراقب هو خط الدفاع الأخير عن معنى التعليم
فإما أن نحمي نزاهة التعليم اليوم أو نتحمل انهياره غداً
