إستراتيجية “قوات تيار السلام كتائب أسودالجبال ” الهندسة الاجتماعية والاقتصادية لصناعة الاستقرار المستدام في السودان* *بقلم: دكتور محمد عوض محمد متولي*

*بسم الله الرحمن الرحيم*
*إستراتيجية
“قوات تيار السلام
كتائب أسودالجبال
“: الهندسة الاجتماعية والاقتصادية لصناعة الاستقرار المستدام في السودان*
🇸🇩🇸🇩🇸🇩🇸🇩🇸🇩
___________
*بقلم: دكتور/ محمد عوض محمد متولي*
*المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بالهيئة العليا للدراسات الاستراتيجية وتفكيك المعضلات الإنمائية*
____________
إنَّ المتأمّلَ في كينونةِ الدولةِ السودانيةِ عبرَ سيرورتِها التاريخيةِ المعاصرة، يدركُ تمامَ الإدراكِ أنَّ معضلةَ الاستقرارِ لم تكن يوماً محضَ ترفٍ سياسيٍ أو نتاجاً لتقلباتٍ عارضة، بل هي قضيةٌ وجوديةٌ تضربُ بجذورِها في عمقِ البنيةِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ لهذا الكيانِ الجيوسياسيِ المعقد. وفي هذا السياقِ التاريخيِ المفصليِ الذي نعيشُه في مرحلةِ التحولِ الوطنيِ الكبرى، تبرزُ “قواتُ تيارِ السلام” ليس كتشكيلٍ عابرٍ في موازينِ القوى فى السودان ، بل كضرورةٍ منهجيةٍ تفرضُها استحقاقاتُ التعايشِ السلميِ ومتطلباتُ السلامِ الاجتماعيِ الشامل. إنَّ صياغةَ الرؤيةِ الفلسفيةِ لهذا التيارِ تنطلقُ من فهمٍ رصينٍ لمفهومِ “الأمنِ المجتمعي” الذي يتجاوزُ المقارباتِ الأمنيةَ التقليديةَ نحو آفاقٍ رحبةٍ من التنميةِ المستدامةِ والعدالةِ التوزيعيةِ والاعترافِ المتبادلِ بالهوياتِ الفرعيةِ ضمنَ إطارِ الهويةِ الوطنيةِ الجامعة. وتتأسسُ الأطروحةُ العلميةُ التي نتبناها هنا على فكرةِ أنَّ السلامَ الاجتماعيَ في السودانِ هو عمليةٌ ديناميكيةٌ تتطلبُ هندسةً اجتماعيةً دقيقة، تبدأُ من تفكيكِ بنى النزاعِ التقليديةِ وإعادةِ تركيبِها في سياقِ دولةِ المواطنةِ والحقوق، مع التركيزِ الفائقِ على ترميمِ “رأسِ المالِ الاجتماعي” الذي تآكلَ بفعلِ الأزمات، وتحويلِ التعايشِ من مجردِ حالةِ مهادنةٍ مؤقتةٍ إلى اندماجٍ عضويٍ يعيدُ بناءَ الذاكرةِ الجمعيةِ على أسسِ الثقةِ والمصيرِ المشترك.
إنَّ التحليلَ المنهجيَ لظاهرةِ “قواتِ تيارِ السلام” يستوجبُ النظرَ إليها كأداةٍ للتغييرِ البنيوي، حيثُ تسعى هذه القواتُ إلى تكريسِ مفهومِ “القوةِ الناعمةِ المسنودةِ بالشرعيةِ الشعبية” لفضِ النزاعاتِ القبليةِ والمناطقيةِ التي استنزفتِ المواردَ البشريةَ والماديةَ للبلاد. ومن منظورٍ اقتصاديٍ تنموي، فإنَّ غيابَ السلامِ الاجتماعيِ يمثلُ التكلفةَ البديلةَ الأكبرَ للتنمية، حيثُ تُهدرُ الطاقاتُ في دوراتٍ عبثيةٍ من العنفِ المتبادل، مما يعيقُ تدفقَ الاستثماراتِ ويشلُّ حركةَ الإنتاجِ في القطاعاتِ الحيويةِ كالزراعةِ والرعي. ومن هنا، تبرزُ أهميةُ الدورِ الذي تلعبهُ هذه القواتُ في تأمينِ المساراتِ الإنتاجيةِ وسلاسلِ الإمدادِ الغذائي، إذ لا يمكنُ فصلُ “الأمنِ الغذائي” عن “الأمنِ القومي” بمفهومِه الشامل. إنَّ حمايةَ المشاريعِ الزراعيةِ الكبرى وتأمينَ حركةِ التجارةِ البينيةِ يمثلُ المحركَ الفعليَ لخفضِ معدلاتِ التضخمِ وتحقيقِ الاكتفاءِ الذاتي، وهو ما نعتبرُه في منبرِ الخبراءِ لصناعةِ التنميةِ وإدارةِ التوازناتِ الحرجة الركيزةَ الأساسيةَ لأيِ نهضةٍ مرتقبة. إنَّ هذا التيارَ يمثلُ استجابةً عقلانيةً لواقعٍ اتسمَ بالتشظي، وهو يحملُ في طياتِه مشروعاً وطنياً يهدفُ إلى ردمِ الفجواتِ التاريخيةِ بينَ المركزِ والهامش من خلالِ ممارساتٍ ميدانيةٍ تربطُ البندقيةَ التي تحمي السلامَ بالمحراثِ الذي يطعمُ الشعب.
وعندَ الغوصِ في التفاصيلِ الدقيقةِ للمنهجيةِ التي يتبعُها تيارُ السلام، نجدُ أنَّها ترتكزُ على مبدأ “الوقايةِ الاستباقية” من الصراعات، وذلك عبرَ تفعيلِ آلياتِ الصلحِ العرفيِ وتطويرِها لتمتزجَ مع سلطةِ القانونِ الحديثة، مما يخلقُ حالةً من التناغمِ القانونيِ والاجتماعيِ تحتَ مظلةِ “حوكمةِ السلام”. إنَّ هذا النموذجَ الفريدَ يسعى إلى تحويلِ المجتمعاتِ المحليةِ من أطرافٍ في النزاعِ إلى شركاءَ في صناعةِ القرارِ الأمنيِ والتنموي، ضمنَ إطارٍ مؤسسيٍ يضمنُ الشفافيةَ والمساءلة. ومن الناحيةِ السوسيولوجية، يعملُ تيارُ السلامِ على إعادةِ صياغةِ العقدِ الاجتماعيِ السودانيِ بما يضمنُ التوزيعَ العادلَ للسلطةِ والثروة، ومعالجةِ المظالمِ التاريخيةِ بروحٍ من التسامحِ والمسؤوليةِ الوطنية. إنَّنا أمامَ تجربةٍ وطنيةٍ خالصة، تدركُ أنَّ السلامَ لا يُصنعُ فقط في غرفِ المفاوضاتِ المغلقة، بل يُغرسُ في وجدانِ المواطنِ البسيطِ عندما يشعرُ بالأمانِ على حياتِه ومالِه ومستقبلِ أبنائِه، وعندما يرى أنَّ القوةَ العسكريةَ قد تحولتْ إلى قوةٍ بناءةٍ تحمي خياراتِه الديمقراطيةَ وتطلعاتِه التنموية.
إنَّ العمقَ المعرفيَ والمنظورَ الفلسفيَ لهذا الاستقصاء يقودُنا إلى استنتاجٍ مفادُه أنَّ التعايشَ السلميَ في السودانِ ليس مجردَ غيابٍ للحرب، بل هو حضورٌ فاعلٌ لقيمِ العدالةِ والمساواةِ والفاعليةِ الاقتصادية. وقواتُ تيارِ السلامِ بهذا المعنى هي الحارسُ لهذه القيم، حيثُ تضطلعُ بمهامَ جسيمةٍ تتراوحُ بينَ حمايةِ المدنيينَ ودعمِ العودةِ الطوعيةِ للنازحينَ واللاجئين، وصولاً إلى المساهمةِ في إعادةِ الإعمارِ وتأهيلِ البنى التحتيةِ في المناطقِ المتأثرةِ بالنزاعات. إنَّ الربطَ المنهجيَ بينَ الأمنِ والتنميةِ والحوكمةِ هو ما يميزُ هذا التيار، حيثُ لا يمكنُ الحديثُ عن استقرارٍ دائمٍ في ظلِ فقرٍ مدقعٍ أو تهميشٍ ممنهجٍ أو غيابٍ للمؤسسية. ولذلك، فإنَّ الدورَ الاقتصاديَ لهذه القوات، والمتمثلِ في حمايةِ المواردِ القوميةِ ومنعِ التهريبِ والتخريب، يصبُّ مباشرةً في مصلحةِ الاقتصادِ الكلي، ويساهمُ في تقليلِ العجزِ الماليِ وتوجيهِ المواردِ نحو التعليمِ والصحةِ والخدماتِ الأساسية، مما يعززُ من شرعيةِ الدولةِ وقدرتِها على الوفاءِ بوعودِها تجاهَ مواطنيها.
وفي ظلِ التعقيداتِ الإقليميةِ والدوليةِ المحيطةِ بالسودان، يبرزُ تيارُ السلامِ كصمامِ أمانٍ يحمي الجبهةَ الداخليةَ من التدخلاتِ السالبة، ويعززُ من مكانةِ الدولةِ كفاعلٍ إيجابيٍ في محيطِها الإفريقيِ والعربي. إنَّ الرؤيةَ الإبستمولوجيةَ المؤطرةَ لهذا الطرح تقتضي منا أن نشيرَ إلى أنَّ التحدياتِ التي تواجهُ هذا المسارَ ليست بالهينة، فترسباتُ عقودٍ من الاحترابِ قد خلفتْ جراحاً غائرةً في النسيجِ الاجتماعي، بيدَ أنَّ الإرادةَ الوطنيةَ التي يمثلُها هذا التيارُ قادرةٌ على تجاوزِ هذه العقباتِ عبرَ الحوارِ المستمرِ والشفافيةِ والمكاشفة. إنَّ فلسفةَ التعايشِ السلميِ التي نروجُ لها تعتمدُ على قبولِ الآخرِ بخصوصياتِه الثقافيةِ والعقدية، وتحويلِ التنوعِ العرقيِ والإثنيِ من سببٍ للنزاعِ إلى مصدرٍ للثراءِ والقوة. وهذا يتطلبُ جهداً فكرياً وتربوياً موازياً للجهدِ الميداني، وهو ما ينخرطُ فيه مركزُ الخبراءِ للدراساتِ الإنمائيةِ عبرَ تقديمِ الدراساتِ والبحوثِ التي تعززُ من قيمِ السلامِ والوئام، وتؤصلُ لثقافةِ السلامِ كخيارٍ استراتيجيٍ وحيد.
إنَّ استشرافَ المستقبلِ في ضوءِ معطياتِ حقبةِ الانبعاثِ الوطنيِ الراهنة، يشيرُ إلى أنَّ السودانَ يمضي بخطىً حثيثةٍ نحو استعادةِ عافيتِه، بفضلِ تكاملِ الجهودِ بينَ القوى الوطنيةِ المؤمنةِ بالسلام. وقواتُ تيارِ السلامِ هي بمثابةِ اليدِ التي تبني والدرعِ الذي يحمي، حيثُ تتجلى وطنيتُها في انحيازِها الكاملِ لخيارِ الشعبِ في الاستقرارِ والرفاه. إنَّ التحليلَ المعمقَ يشيرُ إلى أنَّ نجاحَ هذه التجربةِ سيكونُ نموذجاً يُحتذى به في دولِ المنطقةِ التي تعاني من نزاعاتٍ مشابهة، حيثُ أثبتَ السودانيون قدرتَهم على ابتكارِ حلولٍ نابعةٍ من واقعِهم وتاريخِهم، تجمعُ بينَ الحزمِ الأمنيِ والمرونةِ الاجتماعيةِ والرؤيةِ الاقتصاديةِ الثاقبة. إنَّنا نتحدثُ عن منظومةٍ متكاملةٍ من القيمِ والممارساتِ التي تهدفُ إلى خلقِ مجتمعٍ معافى من أمراضِ الجهويةِ والعنصرية، مجتمعٍ يتساوى فيه الجميعُ أمامَ القانونِ وتُتاحُ فيه الفرصُ للجميعِ بناءً على الكفاءةِ والعطاءِ والولاء للوطنِ الواحد.
ختاماً لهذا المسحِ الفكريِ والقراءةِ الاستراتيجيةِ المعمقة، يمكنُ القولُ بعباراتٍ قاطعةٍ لا لَبسَ فيها، إنَّ قواتِ تيارِ السلامِ في السودانِ قد أضحتِ الركيزةَ البنيويةَ التي يستندُ إليها مشروعُ النهضةِ الوطنيةِ الشاملة ، وهي ليست مجردَ تشكيلٍ وظيفيٍ لضبطِ الانفلاتات، بل هي فلسفةُ عملٍ وطنيٍ تهدفُ إلى استدامةِ السلمِ الاجتماعيِ عبرَ الموازنةِ الدقيقةِ بينَ متطلباتِ الأمنِ واستحقاقاتِ التنميةِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ وحوكمةِ المؤسسات. إنَّ المنهجيةَ العلميةَ التي سارَ عليها هذا المقالُ تؤكدُ أنَّ التعايشَ السلميَ هو نتاجُ توافقٍ مجتمعيٍ عميقٍ تقودُه طليعةٌ واعيةٌ بمخاطرِ التفتتِ ومزايا الوحدة، وأنَّ الاستقرارَ الذي يتجلى في واقعِنا الراهنِ وفي ظلِ إرهاصاتِ التجديد هو ثمرةٌ لجهودٍ مضنيةٍ وتضحياتٍ جسامٍ قُدمتْ على مذبحِ الوطن. إنَّ الرؤيةَ التي يتبناها تيارُ السلام، ببعدِها المنهجيِ الشامل، تمثلُ العقدَ الاجتماعيَ الجديدَ الذي سيحفظُ للسودانِ مكانتَه وهيبتَه، ويضمنُ للأجيالِ القادمةِ وطناً يسودُه العدلُ والرفاهُ والسلامُ المستدام، لتظلَّ هذه التجربةُ منارةً فكريةً وعمليةً تؤكدُ أنَّ إرادةَ الشعوبِ في السلامِ والازدهارِ هي القوةُ الوحيدةُ التي لا تُقهر.