*بين العدالة والإنصاف: هل بتساوي جنود المياه و الكهرباء في الدعم* كتبت سعدية الصديق

*بين العدالة والإنصاف: هل بتساوي جنود المياه و الكهرباء في الدعم*
كتبت: سعدية الصديق
في الوقت الذي قطعت فيه الدولة شوطاً مهماً بدعم العاملين في قطاع الكهرباء عبر تخصيص اسطول من المركبات ليمكنهم من أداء مهامهم الميدانية، يبرز تساؤل مشروع عن شريكهم الآخر في معركة إعمار العاصمة: هيئة مياه ولاية الخرطوم. فالمياه والكهرباء توأم لا ينفصل في شرايين الحياة؛ فإذا وجدت الكهرباء من يعينها على الوصول، فإن قطرة المياه تستحق اليد نفسها التي تمتد بالدعم والإنصاف.
لم يخطئ رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، حينما مدَّ يده لجنود الكهرباء وخصص لهم من الوسائل ما يعينهم على إعادة النور للخرطوم. لكن اليد الأخرى التي تروي عطش العاصمة ما زالت تنتظر ذات الدعم وذات( الاسطول). عمال هيئة المياه، توأم الكهرباء في معركة البقاء، يواصلون العمل بلا أسطول ولا معدات بعد أن سرقت الحرب اللعينة كل شيء. فالخرطوم لا تحيا بتيار الكهرباء وحده دون مياه، ولا بمياه دون كهرباء
ـ”الموية والكهرباء جو؟” ـ السؤال وحده يلخص كل شروط العودة إلى حضن الخرطوم. بعد أن تنفست المدينة وبدأت تضمد جراح الحرب، لم يعد الحلم كبيراً. اختُزِل الاستقرار كله في كلمتين: (مويه ونور)
فلا كرامة دون ماء نقي يطفئ العطش، ولا نهضة دون تيار يضيء البيوت ويشغل نبض المستشفيات والمدارس والمصانع. ولأن الدولة تدرك أن المصير واحد، جمعت فاتورتيهما في نافذة واحدة، كأنها تعلن: “هما وجهان لعملة واحدة اسمها الحياة”.
وسط شح الإمكانيات، بقيت هيئة مياه ولاية الخرطوم على العهد، لم تتوقف سواعد عمالها حتى عندما سرقت الحرب اللعينة أسطولها الكامل من السيارات والمعدات. ارتدوا ثياب العمل وقلوب الجنود، ووصلوا الليل بالنهار ليسقوا سبع محليات. كان هدفهم واحداً: أن تصل قطرة ماء إلى فم طفل أو شفاه مريض.
هؤلاء الذين أبدعوا في زمن العجز هم أول من باشر العمل منذ الطلقة الاولى دون توقف وسط زخات الرصاص وهدير المدافع والشظايا والى هذا التاريخ. تجاهلوا مخاطر مخلفات الحرب وداناتها. شغلهم الشاغل كان أن تشرب العاصمة، لأنهم يوقنون أن عودة المواطن تبدأ بعودة المياه قبل كل شيء.
اليوم، وبفضل هؤلاء الجنود المجهولين، مزقت محليات الخرطوم السبع فاتورة العطش. ورغم استمرار شح الإمكانيات، تحزم العاملون ومديرهم العام لتنفيذ خطط عاجلة لسد العجز مع دخول فصل الصيف.
ونحن إذ نثمن جهود إخوانهم في الكهرباء، نرفع الصوت مطالبين بالإنصاف: إذا كان إخوانهم قد خُصص لهم إسطول نقل يعينهم على أداء الواجب، فمن العدل أن تُمد اليد نفسها لعمال المياه. فهم شركاء متساوون في معركة الإعمار وصناع الأمل. المساواة حق، لا منحة.
ختاماً، الماء والكهرباء ليست ترفا هما حق أصيل وشرط لبقاء الحياة. استدامتهما وعدالة توزيعهما مسؤولية الدولة، وترشيدهما والمحافظة على شبكاتهما أمانة في عنق كل مواطن. بهما تُصان كرامة الإنسان، لتعود الخرطوم لتضيء وتُروى من جديد.