الفاعل السياسي في السودان الجزء السابع: بين الدولة الوطنية والدولة التفاوضية

الفاعل السياسي في السودان
الجزء السابع: بين الدولة الوطنية والدولة التفاوضية
مقدمة
منذ الاستقلال ظل المشروع السياسي السوداني يدور حول سؤال الدولة الوطنية: كيف تُبنى دولة موحدة تمتلك مؤسسات مستقرة وهوية جامعة وسلطة مركزية قادرة على إدارة التنوع؟
لكن التطورات المتراكمة، والحروب الأهلية، واتفاقيات السلام المتعددة، والتدخلات الإقليمية والدولية، أنتجت واقعاً مختلفاً يمكن وصفه بـ”الدولة التفاوضية”، وهي دولة لا تُدار فقط عبر المؤسسات الدستورية التقليدية، بل عبر التفاهمات والاتفاقات والتوازنات بين القوى المسلحة والسياسية والاجتماعية.
ومع مرور الوقت أصبح الصراع الحقيقي في السودان ليس فقط حول من يحكم، بل حول طبيعة الدولة نفسها.
الدولة الوطنية: المشروع المؤجل
عند الاستقلال ورث السودان حدوداً جغرافية واسعة وتنوعاً ثقافياً وإثنياً ودينياً كبيراً.
غير أن النخب السياسية تعاملت مع الدولة باعتبارها كياناً قائماً بذاته، بينما كانت عملية بناء الأمة السودانية لا تزال في بداياتها.
ظهرت عدة مشكلات:
– ضعف الاندماج الوطني.
– سيطرة المركز على القرار السياسي.
– التفاوت التنموي بين الأقاليم.
– غياب مشروع ثقافي جامع.
– هيمنة الولاءات الأولية على الولاء الوطني.
ولهذا ظلت الدولة الوطنية مشروعاً غير مكتمل أكثر من كونها واقعاً مستقراً.
صعود الدولة التفاوضية
مع تصاعد الحروب الأهلية بدأت السلطة المركزية تفقد احتكارها الكامل للقوة.
وأصبح الوصول إلى الاستقرار يتطلب التفاوض مع فاعلين جدد:
– الحركات المسلحة.
– الإدارات الأهلية.
– القوى الإقليمية.
– الوسطاء الدوليون.
– التحالفات السياسية العابرة للأحزاب.
وهكذا تحولت السياسة تدريجياً من إدارة المؤسسات إلى إدارة التوازنات.
وأصبح الاتفاق السياسي في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من النصوص الدستورية نفسها.
الحركات المسلحة من المعارضة إلى الشراكة
أحد أبرز مظاهر الدولة التفاوضية يتمثل في انتقال الحركات المسلحة من موقع المواجهة إلى موقع الشريك في السلطة.
فبعد عقود من الصراع أصبحت بعض الحركات جزءاً من الحكومات الانتقالية ومؤسسات الدولة.
لكن هذا الانتقال كشف إشكالية جديدة:
هل يكفي الوصول إلى السلطة لمعالجة قضايا الهامش؟
أم أن المشكلة أعمق وتتعلق ببنية الدولة نفسها؟
لقد أثبتت التجربة أن المشاركة السياسية وحدها لا تضمن بالضرورة تحقيق التنمية أو العدالة أو الاستقرار.
الإدارات الأهلية وعودة الفاعل التقليدي
كلما ضعفت الدولة الحديثة عادت القوى التقليدية إلى الواجهة.
وخلال سنوات الحرب والأزمات برز دور الإدارات الأهلية باعتبارها وسيطاً اجتماعياً وأمنياً مهماً.
ففي مناطق عديدة أصبحت الإدارة الأهلية أكثر قدرة على حل النزاعات المحلية من المؤسسات الرسمية.
لكن هذا الدور يحمل مفارقة مهمة:
فهو يعكس قوة المجتمع، لكنه يكشف في الوقت نفسه ضعف الدولة.
القوى المدنية وأزمة القيادة
رغم الدور الكبير الذي لعبته القوى المدنية في إسقاط الأنظمة السياسية، إلا أنها واجهت صعوبات كبيرة في إدارة المراحل الانتقالية.
ومن أبرز التحديات:
– تعدد مراكز القرار.
– غياب الرؤية الموحدة.
– ضعف البناء التنظيمي.
– الصراعات الأيديولوجية.
– محدودية الامتداد خارج المدن الكبرى.
ولهذا ظلت القوى المدنية مؤثرة في الاحتجاج والتعبئة أكثر من تأثيرها في بناء المؤسسات.
التدخل الإقليمي والدولي
أصبحت القضية السودانية مرتبطة بصورة متزايدة بمصالح الفاعلين الإقليميين والدوليين.
فكلما ضعفت المؤسسات الوطنية ازدادت قدرة الأطراف الخارجية على التأثير في مسارات السياسة السودانية.
ولم يعد التفاوض السوداني يجري داخل الحدود الوطنية فقط، بل أصبح يمتد إلى عواصم ومنابر متعددة.
وهنا ظهرت معضلة السيادة في صورتها الحديثة:
كيف يمكن الحفاظ على القرار الوطني في ظل الاعتماد المتزايد على الوساطات والضغوط الخارجية؟
الحرب وإعادة تعريف الدولة
كشفت حرب 15 أبريل عن حقيقة مهمة:
الدولة ليست مجرد حكومة أو مؤسسات مركزية، بل شبكة معقدة من العلاقات السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية.
وعندما تعرضت هذه الشبكة للاهتزاز ظهرت أسئلة لم تكن مطروحة بنفس القوة من قبل:
– ما هو الحد الأدنى الذي يجعل الدولة قائمة؟
– من يملك الشرعية؟
– من يملك القوة؟
– من يملك القدرة على إدارة المجتمع؟
وقد أصبحت الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
مأزق النخب السودانية
يمكن القول إن أحد جذور الأزمة السودانية يتمثل في الفجوة بين النخبة والدولة.
فكثير من الصراعات السياسية انشغلت بتقاسم السلطة أكثر من انشغالها ببناء المؤسسات.
كما أن النخب المتعاقبة غالباً ما تعاملت مع الدولة باعتبارها غنيمة سياسية أو أداة لتحقيق المشروع الحزبي، بدلاً من اعتبارها إطاراً وطنياً جامعاً.
ولهذا ظلت المؤسسات أضعف من أن تصمد أمام الأزمات الكبرى.
نحو جمهورية جديدة
إذا كان القرن الماضي قد انشغل بصراع الهوية والسلطة، فإن المرحلة القادمة قد تفرض أولويات مختلفة:
– بناء مؤسسات مستقلة وقوية.
– إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم.
– تطوير مفهوم المواطنة المتساوية.
– إصلاح الإدارة العامة.
– بناء جيش وطني مهني موحد.
– إنشاء نظام اقتصادي منتج يحقق التوازن التنموي.
فالجمهورية الجديدة لن تُبنى عبر تغيير الحكومات فقط، بل عبر إعادة تأسيس قواعد الدولة نفسها.
خاتمة
تقف السودان اليوم بين نموذجين:
الأول هو الدولة الوطنية التي تسعى إلى بناء مؤسسات مستقرة وهوية جامعة ومشروع وطني متفق عليه.
والثاني هو الدولة التفاوضية التي تقوم على إدارة التوازنات بين القوى المختلفة عبر الاتفاقات والتسويات المستمرة.
وقد أثبتت التجربة أن الدولة التفاوضية قد تكون ضرورية لإيقاف الحروب وإدارة المراحل الانتقالية، لكنها لا تستطيع إدارة الدولة
الخرطوم
٨/٧/٢٠٢٦
خالد أبو حميدان سعيد