
حامد منان.. هل حان وقت الرحيل؟
جلال الجاك أدول
منبر الكلمة
ليست هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن ضرورة إعفاء الفريق حامد منان من رئاسة إشرافية أبيي ولن تكون الأخيرة إذا استمر النهج ذاته. فمنذ أشهر ظللت أطالب في مقالات رأي منشورة بإعفائه من المنصب ليس بدافع خصومة شخصية أو موقف انفعالي وإنما انطلاقاً من قناعة سياسية وإدارية بأن استمرار الأداء الحالي لا يخدم قضية أبيي ولا يعكس حجم التحديات التي تواجه المنطقة.
حين تم تعيين الفريق حامد منان رئيساً لإشرافية أبيي كانت هناك آمال واسعة بأن تسهم خبرته في إدارة واحدة من أكثر المناطق تعقيداً وحساسية في السودان باعتبار أن أبيي ليست ملفاً إدارياً عادياً بل قضية ذات أبعاد سيادية وأمنية واجتماعية وإقليمية تتطلب إدارة ذات نفس سياسي طويل وقدرة على بناء التوافقات والتعامل مع المؤسسات المحلية والدولية بكفاءة عالية.
لكن بعد مرور فترة كافية على توليه المسؤولية يصبح من المشروع طرح سؤال صريح ماذا حققت هذه الإدارة؟ وهل استطاعت فعلاً التعامل مع الملفات الأساسية التي تشغل المواطن في أبيي؟
في تقديري تكمن الأزمة الأساسية في أن الإشرافية أُديرت بعقلية أقرب إلى الإدارة الشخصية منها إلى المؤسسية وكأنها شأن خاص تُدار قراراته داخل دوائر محدودة لا مؤسسة عامة يفترض أن تقوم على الشفافية والمشاورة والانفتاح على مختلف المكونات المجتمعية والسياسية.
وقد ظللت أكتب منذ أشهر أن أزمة أبيي ليست فقط في تعقيد الملف السياسي أو ضعف الإمكانيات وإنما أيضاً في طبيعة الإدارة نفسها وأن الاستمرار في النهج ذاته سيقود بالضرورة إلى مزيد من التباعد بين الإشرافية والمجتمع المحلي.
ولعل أحد أبرز أوجه الإخفاق التي ظلت محل نقاش واسع يتمثل في العلاقة مع المجتمع المحلي فبدلاً من بناء جسور ثقة متينة مع القيادات الأهلية والشباب والفاعلين المجتمعيين برز شعور متزايد وسط قطاعات من أبناء أبيي بأن الإشرافية أصبحت بعيدة عن نبض المجتمع وأقل انفتاحاً على الحوار والتشاور الحقيقي حول القضايا المصيرية. وفي منطقة مثل أبيي، لا يمكن لأي إدارة أن تنجح دون شراكة واسعة مع مجتمعها المحلي لأن الاستقرار فيها لا يُفرض بالقرارات الإدارية وحدها بل يُبنى بالتوافق والثقة.
أما الملف الثاني الذي لا يقل أهمية فهو التنسيق مع الأمم المتحدة والقوات الأممية العاملة في أبيي (يونسفا). فمن المعروف أن خصوصية وضع أبيي تجعل العلاقة مع المؤسسات الدولية جزءاً أصيلاً من إدارة الملف لا أمراً ثانوياً. وكان من المتوقع أن تلعب الإشرافية دوراً أكثر فاعلية في تعزيز التنسيق السياسي والإداري مع القوات الأممية والمؤسسات الدولية الموجودة على الأرض بما يخدم قضايا الأمن والاستقرار وحماية المدنيين والخدمات الأساسية.
غير أن كثيراً من المتابعين يرون أن هذا الملف لم يشهد اختراقاً حقيقياً ولم ينعكس بصورة ملموسة على تحسين أوضاع المواطنين أو تقوية موقع الإشرافية كشريك مؤثر في صناعة الاستقرار. وفي القضايا المعقدة فإن ضعف التنسيق لا ينعكس فقط على الإدارة بل يدفع المواطن العادي ثمنه في حياته اليومية.
قد يرى البعض أن الرجل واجه ظروفاً استثنائية وتعقيدات تفوق قدرات أي إدارة وهو رأي يستحق النظر بلا شك لكن طول الفترة الزمنية دون نتائج ملموسة يجعل تقييم الأداء أمراً مشروعاً ويجعل من حق الناس التساؤل عن جدوى استمرار النهج نفسه.
في الحياة العامة لا تُقاس قيمة المسؤول بطول بقائه في المنصب بل بقدرته على صناعة الفارق. كما أن الاستقالة ليست دوماً علامة فشل بل قد تكون أحياناً أعلى درجات احترام المنصب وتحمل المسؤولية.
من هنا فإنني أرى أن احترام ماء الوجه السياسي والإداري يقتضي من الفريق حامد منان أن يترجل من موقعه أو أن تتحرك الجهات المختصة لإحداث تغيير إداري يمنح أبيي فرصة جديدة لإدارة أكثر قدرة على بناء الثقة وأكثر انفتاحاً على المجتمع المحلي وأكثر كفاءة في إدارة العلاقات مع المؤسسات الدولية ذات الصلة.