
من المستفيد من شيطنة القوات المشتركة؟
جلال الجاك ادول
منبر الكلمة
خلال الأشهر الماضية تصاعدت بصورة لافتة حملات الانتقاد ضد القوات المشتركة حتى بدا وكأنها تحولت فجأة من قوة تقاتل في الخطوط الأمامية إلى متهم دائم في ساحة الرأي العام. وبينما تتكرر الاتهامات بأنها تثير الفوضى داخل المدن وتزعزع أمن المواطنين يبرز سؤال مشروع لا يمكن تجاوزه لماذا تصاعدت هذه الحملة في هذا التوقيت تحديداً؟
من حيث المبدأ لا توجد قوة عسكرية فوق النقد خصوصاً في ظل الحرب والتعقيدات الأمنية التي يعيشها السودان. ومن حق المواطنين أن يطرحوا الأسئلة حول الانضباط وحماية المدنيين وأثر أي وجود مسلح داخل المدن. لكن ما يحتاج إلى تفكير أعمق هو الانتقال من النقد إلى ما يشبه الشيطنة السياسية والإعلامية حيث تُختزل مؤسسة كاملة في صورة سلبية مطلقة.
الانتقاد الأساسي الموجّه للقوات المشتركة يتمثل في اتهامها بإثارة الفوضى وزعزعة الأمن داخل بعض المدن. وهي اتهامات ينبغي التعامل معها بجدية ومسؤولية لأن أمن المواطن يجب أن يظل أولوية فوق كل اعتبار. لكن في المقابل هل جرى تقديم هذه الاتهامات في إطار تقييم موضوعي ومتوازن؟ أم أنها تحولت إلى رواية جاهزة يتم تكرارها دون تفكيك أو مساءلة؟
الواقع الميداني يفرض سؤالاً آخر لا يقل أهمية أين كانت القوات المشتركة طوال الفترة الماضية؟ الحقيقة أنها لم تكن خارج المعركة أو بعيدة عن ميادين المواجهة. لقد شاركت بثبات في العمليات العسكرية وكانت جزءاً من القوى التي ساهمت في تحرير أجزاء من الخرطوم والجزيرة و كردفان ولا تزال تقاتل حتى اليوم في عدة محاور ضمن حرب مفتوحة ومعقدة.
وهنا يبرز التناقض كيف تتحول قوة تشارك في القتال وتدفع كلفة الحرب إلى هدف رئيسي لحملات التشكيك؟ هل تغيّر أداؤها فجأة؟ أم أن تغيّر موازين الحرب أوجد حسابات سياسية جديدة بدأت تُدار عبر الإعلام والرأي العام؟
في الحروب لا تُخاض المعارك بالسلاح فقط، بل بالروايات أيضاً. وغالباً ما تبدأ الصراعات على النفوذ قبل أن تضع الحرب أوزارها. وكل قوة تصبح ذات تأثير ميداني أو حضور شعبي تجد نفسها لاحقاً تحت المجهر وربما تحت الاستهداف السياسي كذلك.
هذا لا يعني منح القوات المشتركة حصانة من النقد أو المساءلة فكل قوة تحمل السلاح يجب أن تخضع للرقابة والتقييم وأي تجاوزات إن وجدت ينبغي أن تُناقش بوضوح وشفافية. لكن في الوقت نفسه فإن تعميم الاتهامات وتحويلها إلى أداة لنسف صورة قوة كاملة دون تفريق بين الوقائع والانطباعات قد يفتح الباب أمام استقطاب خطير لا يخدم استقرار البلاد.
يبقى السؤال الذي يستحق النقاش إذا كانت القوات المشتركة تقاتل في عدة محاور وكانت جزءاً من معارك الخرطوم والجزيرة فلماذا تصاعدت حملات شيطنتها الآن؟ هل نحن أمام نقد مشروع لأداء قوة عسكرية؟ أم أن السودان دخل مبكراً في معركة ترتيب النفوذ لما بعد الحرب؟
