مقالات الرأي
أخر الأخبار

الحرب النفسية وصناعة الخوف: لماذا ليست الأبيض هي الفاشر؟ بقلم :إدريس هشابه

الحرب النفسية وصناعة الخوف: لماذا ليست الأبيض هي الفاشر؟

بقلم :إدريس هشابه

تقوم الإستراتيجية الإعلامية لمليشيا الدعم السريع، ومن يقف خلفها من داعمين إقليميين ودوليين، على توظيف أدوات الحرب النفسية وصناعة التأثير المعنوي أكثر من اعتمادها على الوقائع الميدانية. وهي إستراتيجية ليست جديدة، بل استخدمت في العديد من الصراعات حول العالم، حيث يجري تضخيم القدرات العسكرية، ونشر الشائعات، وبث الرعب وسط المواطنين، بهدف خلق صورة ذهنية تصور المليشيا وكأنها قوة لا تُهزم.
وفي هذا السياق، يلفت الانتباه الإعلان الصادر عن إحدى وعشرين دولة بشأن ما قيل إنه حشد لقوات المليشيا للهجوم على مدينة الأبيض. فرغم أن مثل هذه البيانات تأتي في ظاهرها تحت لافتة التحذير أو الحرص على المدنيين، إلا أنها تؤدي عملياً دوراً في ترسيخ صورة ذهنية بعينها، من خلال استدعاء مشاهد الفظائع والانتهاكات التي شهدتها الفاشر، وإيحاء أن السيناريو ذاته سيتكرر في الأبيض.
هذه الرسائل لا يمكن فصلها عن أدوات الحرب النفسية التي تستهدف التأثير على معنويات السكان وإثارة المخاوف والقلق، بما يخدم أهدافاً سياسية وعسكرية معروفة. ولو كانت تلك الدول والمنظمات جادة حقاً في حماية المدنيين ووقف الانتهاكات، لوجهت جهودها نحو الضغط على الجهات الداعمة للمليشيا لإيقاف تدفق السلاح والتمويل وكل أشكال الدعم التي أسهمت في نشر الفوضى والقتل والدمار في السودان.
غير أن ما يغيب عن هذه السردية المتعمدة أن مليشيا الدعم السريع نفسها تدرك جيداً طبيعة مدينة الأبيض، وتعرف تاريخ الهجانة وإرثها العسكري الراسخ، كما تعرف معدن مجتمع الأبيض وتماسكه وقدرته على الصمود في مواجهة التحديات. ولذلك فإن محاولات التلويح بسيناريوهات الرعب ليست سوى جزء من معركة نفسية تستهدف المدنيين قبل أن تستهدف الميدان.
وتدرك المليشيا أكثر من غيرها أن أي مغامرة تجاه الأبيض لن تكون نزهة سهلة، وأن ما ينتظرها هناك يختلف كثيراً عما تحاول بعض المنصات الإعلامية الترويج له. فالأبيض ليست مجرد مدينة، بل رمز للصمود والإرادة، ولها ظروفها الخاصة ومعطياتها المختلفة، وهي ليست الفاشر لأسباب كثيرة لا حاجة لتفصيلها هنا.
إن صناعة الخوف وتضخيم التهديدات قد تنجح أحياناً في التأثير على الرأي العام، لكنها لا تغير الحقائق على الأرض، ولا تمنح المليشيا نصراً إعلامياً أو عسكرياً عجزت عن تحقيقه في الميدان. وستظل الأبيض، كما كانت دائماً، عصية على حملات التهويل والتخويف، وقادرة على الدفاع عن نفسها وعن تاريخها ومكانتها الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى