
لمن يهمه الأمر..
الكهرباء معركة الدولة المؤجله
بقلم :إدريس هشابه
في الحروب، لا يكون الهدف دائمًا احتلال الأرض، فثمة وسائل أكثر قسوة وأشد أثرًا؛ أن تُطفأ الأنوار، وأن تتوقف المصانع، وأن تُشل المستشفيات، وأن يعيش الناس في انتظار عودة تيار كهربائي لا يعلمون متى يأتي. فالكهرباء لم تعد خدمة من خدمات الدولة، بل أصبحت مرادفًا لقدرتها على البقاء، وعنوانًا لهيبتها، ومقياسًا لكفاءة مؤسساتها.
ولعل هذا ما أدركته المليشيا منذ وقت مبكر، فكلما ضاقت عليها ميادين القتال، اتسعت أمامها جبهة أخرى؛ جبهة استهداف البنية التحتية. وكلما حققت القوات المسلحة تقدمًا عسكريًا، اتجهت المسيّرات نحو محطات الكهرباء، محاولةً أن تعوض خسائر الميدان بإرباك حياة المدنيين. وحتى عندما تخفق تلك الهجمات، لا يلبث المواطن أن يفاجأ بأعطال كبيرة في محطات التوليد ولعلها مصادفة غريبة! ، وعلى رأسها محطة مروي، التي تمثل الشريان الرئيس لإمداد ولايات الخرطوم ونهر النيل والبحر الأحمر بالطاقة.
والنتيجة واحدة؛ ساعات طويلة من الظلام، وخسائر اقتصادية تتضاعف، وتعطل للمصالح، وتأجيل لعودة آلاف السودانيين الذين يتطلعون إلى الرجوع إلى وطن يستعيد عافيته. فلا أحد يبني مصنعًا في مدينة تنام على انقطاع الكهرباء، ولا مستثمر يغامر برأس ماله في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار، ولا أسرة تفكر في العودة وهي تعلم أن أكثر الخدمات الأساسية هشاشة هي الكهرباء.
وهنا يفرض سؤال نفسه بإلحاح: إلى متى سيظل هذا القطاع الحيوي أسير الحلول المؤقتة وردود الأفعال؟ ولماذا لا تتجه الدولة إلى خيار استراتيجي يتمثل في التعاقد مع شركات عالمية متخصصة في إنتاج الكهرباء وتشغيلها وصيانة شبكاتها، بعقود تحفظ للدولة سيادتها وتستفيد في الوقت ذاته من الخبرة والتمويل والتكنولوجيا؟
إن دولًا عديدة لم تجد في ذلك انتقاصًا من سيادتها، بل اعتبرته طريقًا لتعزيزها. فقد بنت المملكة العربية السعودية جزءًا مهمًا من توسعها في قطاع الكهرباء عبر شراكات مع شركات عالمية ضمن برامج مشاركة القطاع الخاص. وسارت عدد من الدول على النهج ذاته ، بينما اعتمدت سلطنة عُمان نموذج المنتج المستقل للكهرباء، الذي تتولى فيه شركات متخصصة بناء المحطات وتشغيلها وفق عقود واضحة مع الدولة. كما لجأت مصر والأردن إلى شركات دولية لإنشاء وتشغيل محطات كهرباء كبرى، فكان الناتج منظومات أكثر استقرارًا وكفاءة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى قرارات جديدة. فإعادة الإعمار لا تبدأ من الأسمنت والحديد، وإنما تبدأ من مفتاح كهربائي يعمل كلما ضغط عليه المواطن. فالكهرباء ليست رفاهية، وإنما هي البنية التي تقوم عليها الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والاستثمار، بل وحتى الأمن القومي
ولعل أكثر مايدعو إلى التأمل ان الحكومة تمضي بثبات نحو تطهير الارض بينما لاتزال معركة إستعادة الخدمات تسير بخطى أبطأ مما ينتظره الناس. والانتصار الحقيقي لايكتمل حين تتحرر المدن فقط ، وإنما تستعيد تلك المدن نبضها، وتدور مصانعها، وتضاء شوارعها ويشعر المواطن أن الوطن الذي عاد إليه قادر على أن يمنحه حياة تليق بتضحياته.
إن السؤال : لم يعد من المسؤول عن أزمة الكهرباء؟ بل أصبح :من يملك الشجاعة لاتخاذ القرار الذي ينهي هذه الأزمة من جذورها؟.
فالاوطان العظيمة ليست بعدد محطات التوليد التي تملكها بل بقدرتها على إبقائها مضيئة مهما إشتدت العواصف.