
بين الاستقرار في المهجر ونداء الوطن.. كيف نشجع العودة للمساهمة في الإعمار؟
بقلم :إدريس هشابه
أتاحت لي فرصة السفر إلى جمهورية مصر العربية الشقيقة خلال الفترة الماضية لقاء عدد كبير من السودانيين الذين أجبرتهم ظروف الحرب على مغادرة وطنهم والاستقرار خارج حدوده. وخلال تلك اللقاءات والنقاشات، كان موضوع العودة إلى السودان حاضراً بقوة في معظم الأحاديث، حيث انشغلت الأسر بمعرفة حقيقة الأوضاع داخل البلاد، وفرص الاستقرار، ومستقبل التعليم والعمل، ومدى جاهزية البيئة العامة لاستقبال العائدين.
وقد لمست من خلال هذه الحوارات أن الحنين إلى الوطن لا يزال يسكن قلوب السودانيين أينما كانوا، وأن الغالبية تتطلع إلى اليوم الذي تعود فيه إلى ديارها للمساهمة في إعادة البناء والتعمير. فحب الوطن والانتماء إليه لا تضعفهما المسافات ولا تلغيهما ظروف اللجوء والنزوح.
ولا شك أن السودان في هذه المرحلة يحتاج إلى جميع أبنائه، فالأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أهلها، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب تتطلب تضافر الجهود الرسمية والشعبية، داخل البلاد وخارجها. غير أن الواقع الذي فرضته الحرب جعل كثيراً من الأسر تبدأ حياة جديدة في بلدان المهجر، حيث انتظم الأبناء في المدارس والجامعات، واستطاعت بعض الأسر توفير مصادر دخل تضمن لها الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
ومع عودة الجامعات واستئناف الأنشطة التعليمية في عدد من الولايات، أصبحت قضية العودة أكثر إلحاحاً بالنسبة لكثير من الأسر السودانية. لكن العودة في مثل هذه الظروف ليست قراراً عاطفياً فحسب، بل ترتبط بجملة من الاعتبارات الواقعية التي تشغل بال الأسر، وفي مقدمتها الاستقرار الاقتصادي، وتوفر الخدمات الأساسية، وفرص التعليم والعمل، وسهولة الحركة والتنقل.
ومن خلال ما سمعته من السودانيين في الخارج، فإن الرغبة في العودة موجودة بقوة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الطمأنينة والثقة في المستقبل. فالناس يتطلعون إلى مؤشرات إيجابية تعزز قناعتهم بأن المرحلة المقبلة تحمل فرصاً حقيقية للاستقرار والإنتاج والمشاركة في بناء الوطن.
كما أن تحديات ما بعد الحرب تفرض على الجميع التفكير في حلول مبتكرة ورؤى عملية تسهم في معالجة القضايا الاقتصادية والخدمية، وتساعد على تهيئة البيئة المناسبة لعودة الكفاءات والخبرات السودانية المنتشرة في أنحاء العالم. فالسودانيون بالخارج يمثلون رصيداً وطنياً مهماً يمكن أن يسهم بفاعلية في عملية البناء والتنمية إذا توفرت الظروف المشجعة لذلك.
إن معركة السودان الحقيقية اليوم ليست فقط استعادة ما دمرته الحرب، بل بناء مستقبل يمنح المواطنين الأمل والثقة ويشجعهم على العودة والمشاركة في صناعة الغد. فنجاح مرحلة الإعمار لن يقاس بحجم ما يُبنى من منشآت فحسب، وإنما بقدرة الوطن على استعادة أبنائه وجعلهم شركاء في نهضته.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تتحول رغبة السودانيين في العودة إلى واقع ملموس، وأن تتكامل الجهود لخلق بيئة جاذبة ومستقرة، لأن السودان لن ينهض إلا بأبنائه، ولأن مرحلة البناء تحتاج إلى الجميع.