
الرابع والعشرين من يونيو محطات في دفاتر اللجوء بقلم/ عبدالرحمن ابوهاني
يصادف اليوم الرابع والعشرين من يونيو الذكرى الثالثة لمغادرتي من حاضرة غرب دارفور الجنينة إلى دولة تشاد على خلفية إعتداء غاشم لمليشيات الدعم السريع وسيطرتها لهذة الولاية الوادعة التي تزخر بجمال طبيعتها الخلابة وجريان وادي كجا الموسمي الذي ينحدر من الناحية الشمالية إلى الجنوبية وتكسو في جنباته أشجار المانجو الوارفة وجبل السلطان بحرالدين الشاهق من الناحية الغربية ويفصل بينهما مرتفعات بين جبلين الممتدة على ضفاف الوادي .حيث تحركنا في هذا اليوم الحزين من الجنينة بعد أن مكثنا فيها حوالي شهرين تقريبا تحت وطأة وابل المدفعية الثقيلة والقتل والتعذيب ويصادف اليوم مرور (10) أيام بعد مقتل والي غرب دارفور الشهيد الجنرال خميس أبكر ، حيث تحركنا إلى دولة تشاد عقب صلاة الصبح مباشرة حوالي الساعة الخامسة صباحا على متن عربة كروزر قمنا بإستأجارها وسائق العربة ينتمي للمجموعات العربية القاطنة في أطراف مدينة الجنينة وأثناء تحركنا برفقة وزراء سابقين وأسرهم ظل يروادنا الخوف وذلك أن الطريق أنذاك كان محفوفاً بالمخاطر إلا أن صاحب العربة إستطاع أن ينقذنا من ويلات الطرق الوعرة والإرتكازات الصعبة ولم يقابلنا في الطريق سوى ثلاث إرتكازات وبتواجدون فيها شبان مدججين بالأسلحة الخفيفة حيث كان السائق يدفع لهم مبالغ مالية بشأن العبور واستغرقت الرحلة حوالي ساعة ونصف بالرغم من أن المسافة بين الجنينة وأدري تساوي حوالي (27) كيلو متر ، وعند وصولنا مدخل أدنكونق الحدودي او ما يسمى بشارع الموت قدم إلينا نحو العربة إستخبارات الدعم السريع لمراقبة هوية الركاب وأحيانا يتم في هذا المدخل إعتقال وإعدام شبان المساليت الذين يعملون في المؤسسات الحكومية والمقار التجارية إلا أن سائق العربة عاد مسرعا قادماً من غرفة دفع إيصال الوصول وتحرك بنا بالقرب من مدخل قوات الأمن التشادية لإكمال إجراءات الدخول إلى مدينة أدري التشادية التي تبلغ مسافتها من مدينة الجنية نحو (27) كيلو متر ثم إستأجرنا عربة كارو لتقلنا إلى سوق ادري الكبير (الدوان) ، وقضينا فيها عدة ساعات مع مجموعات اخرى قادمة من الجنينة بحثاً عن الملاذ الآمن ، ثم توجهنا صوب مدينة أبشي التشادية وتبلغ مسافتها حوالي أكثر من (200) كيلو متر غرباً، وكانت الأجواء خريفية والأمطار تتساقط فوق روؤسنا بغزارة على متن عربة كروزر . ويحمل هذا اليوم في جوانحه سطور عريضة وتحول لا إرادي في حياة الإنسان البشري الذي كان يحلم كغيري من جمهور شعبنا المكلوم
لمستقبل واعد وحياة كريمة وآمال عريضة في دفاتر الخارطة المستقبلية، إلا أن تلك الفصول ترسو على سفينة اللامجهول وتإخذ أطواراً أخرى ، حيث تتبدل الأمكنة والآزمنةوالعادات والتقاليد والثقافات . ثلاث سنوات كانت تجربة حياتية مريرة ومسيرة صعبة في مخيمات اللجوء بدولة تشاد ولكن ستظل ذكريات مدينة الجنينة راسخة وخالدة في الأذهان، حيث مزج الشاعر الفلسطيني هرون هاشم الرشيد في قصيدته صرخة لاجئ بين الواقع والمعاش قائلا : انا لن اعيش مشرداً **
انا لنٌّ أظل مقيداً .
انا لي غدٌ وغدا **
سأزحف سائراً متمرداً انا لن أخافُ من العواصفِ**
وهي تجتاحَ المدى . حقاً صدق الشاعر في وصفه لمعاناة اللجوء، فالحياة وقفات تمر بالإنسان فالصبح يعقبه ليل ، فإن مسيرة اللجوء مرحلة تطلب من الجميع الصبر والمثابرة وعدم القنوط واليأس فطالما أن الإبتلاءات والمصائب واجهت الأنبياء من قبل،
لذلك لابد لليل أن ينجلي**
ولابد للقيد أن ينكسر
ولو طال السفر حتماً الوصول إلى مرافئ العودة إلى حضن الوطن .
