أطفالٌ في عربات النفايات… فمن ألقى ببراءة الوطن في القمامة؟

جلال الجاك أدول
منبر الكلمة
لا تسقط الأوطان عندما تمتلئ شوارعها بالنفايات، بل عندما تمتلئ عربات النفايات بأطفالها. فهناك مشاهد لا تمر مرور الكرام، بل تبقى عالقة في الذاكرة، لأنها تهز الضمير الإنساني وتدفعنا إلى التساؤل إلى أين نمضي كمجتمع إذا أصبحت الطفولة تُستنزف في الأعمال الشاقة بدلاً من أن تُصان بالتعليم والرعاية والحماية؟
وأنا أسير صباح اليوم في أحد شوارع محلية كرري، استوقفتني عربة تتبع لهيئة نظافة ولاية الخرطوم. ظننت في البداية أنني سأرى عمالاً يؤدون واجبهم اليومي، لكن المفاجأة كانت أن من يقومون بجمع النفايات وإلقائها داخل العربة أربعة أطفال، تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والخامسة عشرة عاماً. كانوا يتحركون بين أكوام النفايات بسرعة وإجهاد، يحملون أكياساً أثقل من أعمارهم، ويؤدون عملاً يفترض أن يقوم به بالغون مزودون بوسائل الحماية والسلامة.
في تلك اللحظة لم أرَ مجرد أطفال يعملون، بل رأيت طفولة تُنتزع من أصحابها، وحقاً أصيلاً يُسلب أمام أعين الجميع. كان ينبغي أن يكون هؤلاء الأطفال داخل مدارسهم، يحملون الكتب والدفاتر، لا أكياس النفايات، ويحلمون بمستقبل أفضل، لا أن يواجهوا في هذا العمر المبكر مخاطر الأمراض والإصابات والاستغلال.
قد يقول قائل إن الفقر هو السبب، أو إن الحرب والنزوح والأوضاع الاقتصادية دفعت هؤلاء الأطفال إلى سوق العمل. وهذا قد يكون صحيحاً، لكنه لا يمكن أن يكون مبرراً لاستغلال الأطفال أو الزج بهم في أعمال خطرة. فالفقر مسؤولية تعالجها الدولة بسياسات الحماية الاجتماعية، وليس على حساب حقوق الأطفال وكرامتهم ومستقبلهم.
إن تشغيل الأطفال في مثل هذه الأعمال لا يثير الشفقة فحسب، بل يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية جادة حول مدى الالتزام بالتشريعات الوطنية والمواثيق الدولية التي تكفل للطفل حقه في الحماية والتعليم والنمو في بيئة آمنة. فالطفل ليس قوة عمل لسد النقص في العمالة، وإنما هو إنسان له حقوق يجب أن تُصان في كل الظروف، خاصة في أوقات الأزمات.
ومن هنا، فإن ما شاهدته هذا الصباح لا ينبغي أن يُعامل باعتباره حادثة عابرة، بل واقعة تستحق تحقيقاً عاجلاً يكشف حقيقة وجود أطفال يعملون في جمع النفايات، وكيف وصلوا إلى هذا الواقع، ومن يتحمل مسؤولية السماح بحدوثه.
وأوجّه رسالتي أولاً إلى والي ولاية الخرطوم، باعتباركم المسؤول الأول عن أجهزة الولاية، بأن هذه القضية تستحق تدخلاً عاجلاً، ليس فقط للتحقيق في هذه الواقعة، وإنما لوضع حد لأي ممارسات قد تسمح باستغلال الأطفال في الأعمال الخطرة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لحمايتهم وصون حقوقهم.
كما أتوجه إلى وزارة الرعاية الاجتماعية، متسائلاً أين برامج حماية الأطفال الأكثر هشاشة؟ وإذا كانت الظروف الاقتصادية قد دفعت بعض الأسر إلى هذا الواقع، فإن واجب الدولة أن تدعم تلك الأسر، وأن تعيد أبناءها إلى مقاعد الدراسة، لأن الرعاية الاجتماعية تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان قبل وقوع الضرر، لا بعده.
وأوجّه كذلك ندائي إلى شرطة حماية الطفل، فالواقعة تستحق الوقوف عندها، والتحقق من ملابساتها، واتخاذ ما يلزم وفق القانون إذا ثبت وجود استغلال للأطفال في أعمال تعرضهم للخطر، حمايةً لحقوقهم وصوناً لمستقبلهم.
أما هيئة نظافة ولاية الخرطوم، فإن الحفاظ على نظافة العاصمة رسالة نبيلة، لكنها لا ينبغي أن تُنجز على حساب الطفولة. فالمؤسسات العامة مطالبة بأن تكون نموذجاً في احترام حقوق الإنسان، وأن ترفض، تحت أي ظرف، إشراك الأطفال في أعمال شاقة أو خطرة، وأن تلتزم بالمعايير المهنية والإنسانية في أداء رسالتها.
وفي المقابل، فإن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الحكومية وحدها، بل تمتد إلى المجتمع بأسره؛ إلى الأسر، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والقطاع الخاص، وكل مواطن يرى طفلاً يُحرم من طفولته ثم يواصل طريقه وكأن شيئاً لم يحدث. فالصمت على مثل هذه المشاهد لا يقل خطورة عن المشهد نفسه.
إن حماية الأطفال ليست عملاً خيرياً، بل واجب قانوني وأخلاقي ووطني. فالأوطان لا تُبنى بأطفال أنهكتهم الأعمال الشاقة قبل أن تكتمل طفولتهم، وإنما تُبنى بعقول متعلمة، وأجساد سليمة، وأحلام تجد من يحميها.
إن هذه الواقعة تستوجب فتح تحقيق عاجل وشفاف، ووقف أي ممارسة تسمح بتشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة، والعمل على إعادة هؤلاء الأطفال إلى مقاعد الدراسة، وتوفير الدعم اللازم لأسرهم إذا كانت الحاجة هي التي دفعتهم إلى هذا الواقع، مع تشديد الرقابة على الجهات المنفذة للخدمات العامة حتى لا يتكرر مثل هذا المشهد.
لقد غادرت المكان، لكن صورة الأطفال الأربعة لم تغادر ذهني. لم يكونوا يحملون النفايات وحدها، بل كانوا يحملون سؤالاً كبيراً موجهاً إلى ضمير المجتمع والدولة من يحمي أطفال السودان؟
أوقفوا عمالة الأطفال… يرحمكم الله. فالوطن الذي يسمح بأن يحمل أطفاله أكياس النفايات، بينما يعجز الكبار عن حمل مسؤولياتهم، يحتاج إلى مراجعة ضميره قبل أن يراجع قوانينه.