
في بريد من يهمه الأمر
بقلم: إدريس هشابة
الغرف المغلقة لا تصنع الأوطان
لا يختلف اثنان على أن من حق أي قيادة سياسية أو عسكرية أن تبحث عن كل السبل الممكنة لإنهاء الحروب، وأن تطرق الأبواب التي قد تفضي إلى وقف نزيف الدم ورفع المعاناة عن شعبها. ونحن نثق في قيادة الدولة، وفي حسن نواياها، وفي حرصها على استكشاف كل المسارات التي قد تقود إلى سلام يحفظ كرامة السودان وسيادته، فذلك واجب تمليه المسؤولية الوطنية، لا خيار تفرضه الظروف.
غير أن الثقة في قيادتنا لا تعني، بحال من الأحوال، الثقة المطلقة في الأطراف الأخرى أو في الوسطاء الإقليميين والدوليين. فهناك فارق كبير بين حسن النوايا وحسن التقدير. وتجربة هذه الحرب دفعت كثيرًا من السودانيين إلى التشكيك في جدوى إعادة إنتاج المسارات ذاتها، خاصة مع أطراف يرى كثير من المراقبين أن مواقفها السابقة لم تُسهم بالقدر المأمول في تقريب فرص السلام أو بناء الثقة بين الفرقاء.
ومن هنا، فإن من يعتقد أن اجتماعات الغرف المغلقة وحدها قادرة على صناعة مجد سياسي، أو فتح أبواب العواصم الإقليمية والدولية للوصول إلى حلول دائمة، يبالغ في تقدير أثرها. فالكثير من المحللين يرون أن بعض القوى الخارجية كان لها، بدرجات متفاوتة، دور في تعقيد المشهد السوداني وإطالة أمد الأزمة، وهو ما يفرض التعامل معها بقدر كبير من الحذر والواقعية، بعيدًا عن الرهان المطلق على وعودها أو مواقفها.
وهذه معادلة معقدة، ولها سببان يستحقان التوقف عندهما.
أولهما، أن اللقاءات السرية كثيرًا ما تنتهي إلى تسريبات إعلامية تُستخدم في سياق الصراع السياسي، سواء بقصد أو بغير قصد، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف الرصيد الشعبي للطرف المعني، وإثارة التساؤلات داخل الجبهة الداخلية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أكبر قدر من التماسك ووحدة الصف.
أما السبب الثاني، فهو أن السياسة الدولية لا تعرف الصداقات المجانية، وإنما تحكمها المصالح وموازين القوة. فالدول تتحرك وفق حساباتها الإستراتيجية، وليس وفق العواطف أو الأمنيات. لذلك، فإن أي تفاوض لا يستند إلى موقف وطني قوي وجبهة داخلية متماسكة، قد يحد من قدرة الطرف السوداني على حماية مصالحه وتحقيق أفضل النتائج.
لقد تغيرت قواعد اللعبة بالكامل، ومن لم يدرك ذلك فإنه لا يزال يقرأ العالم بعين الأمس. فنحن نعيش مرحلة دولية جديدة تتقدم فيها حسابات القوة والتأثير على كثير من الاعتبارات الأخرى، وأصبح من يمتلك عناصر القوة السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أكثر قدرة على التأثير في مسارات الصراع والتسوية.
والشواهد أمامنا كثيرة. فما شهدته المنطقة خلال الفترة الماضية، بما في ذلك التطورات المرتبطة بمضيق هرمز وغيرها من الأزمات الإقليمية، يعكس بوضوح أن موازين القوة ما تزال عنصرًا مؤثرًا في صياغة القرارات الدولية ومسارات التفاوض.
ولهذا، فإن الطريق إلى أي تسوية محترمة لا يبدأ من الأبواب الخلفية، ولا يعتمد على الاجتماعات السرية وحدها، وإنما يبدأ من الداخل؛ من وحدة الصف الوطني، وتعزيز الجبهة الداخلية، ودعم مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة، حتى يصبح أي تفاوض – إن تم – تفاوضًا من موقع قوة، يعبر عن الإرادة الوطنية ويحفظ سيادة البلاد.
إن التاريخ لا يخلد الذين علقوا آمالهم على الخارج، بقدر ما يخلد الذين صنعوا أسباب قوتهم في الداخل، ثم خاطبوا العالم من موقع الندية والاستقلال في القرار.
لقد أثبتت هذه الحرب أن السودان لا تنقصه الإرادة، وإنما يحتاج إلى مزيد من وحدة الكلمة، وإلى قراءة دقيقة لطبيعة الصراع، وإدراك أن الحفاظ على التماسك الداخلي هو الركيزة الأساسية لأي حل سياسي مستدام.
إن السلام الحقيقي لا يُبنى على حسن النوايا وحده، ولا على رهانات الخارج، وإنما يُبنى على قوة الداخل، ووحدة الصف، واستقلال القرار الوطني، والقدرة على حماية المصالح العليا للدولة.
قوموا إلى معركتكم، ووحدوا صفوفكم، فالنصر لا يُمنح بل يُنتزع، والسيادة لا تُصان بالشعارات، وإنما بوحدة الإرادة، وقوة المؤسسات، وثبات الموقف الوطني
.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب.