لمن يهمه الأمر.. من دعاوى حصار الأبيض إلى انكسار خطوط المليشيا… السبت الذي أعاد تشكيل معركة كردفان بقلم :إدريس هشابه

من دعاوى حصار الأبيض إلى انكسار خطوط المليشيا… السبت الذي أعاد تشكيل معركة كردفان
بقلم :إدريس هشابه
ليست كل المعارك تُقاس بعدد المدن التي تتبدل عليها السيطرة، فثمة معارك تغيّر ما وراء الجغرافيا، وتعيد رسم خرائط المبادرة، اريد أحد الأطراف زمام الحركة بعد أن ظل لوقت طويل أسيراً لردود الأفعال. وما جرى في شمال كردفان يوم السبت يبدو أقرب إلى هذا النوع من التحولات.
ففي ساعات قليلة، أعلنت القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة استعادة مدن بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ وأم قرفة، في عمليات متزامنة وصفتها القيادة العسكرية بأنها جزء من خطة متكاملة لتأمين شمال كردفان وحماية المدنيين والبنية التحتية. ولم يكن البيان العسكري مجرد إعلان عن استعادة مدن، بقدر ما حمل مؤشرات إلى انتقال العمليات إلى مرحلة مختلفة من حيث التخطيط والإيقاع واتساع مسرح التحرك.
تكمن أهمية هذه التطورات في أن قيمتها لا تُقاس بمساحة الأرض وحدها، وإنما بما أحدثته من تغيير في معادلة الإمداد والمناورة. فالسيطرة على هذه المدن تعني عملياً اكتمال الربط البري مع ولاية شمال كردفان عبر طريق الصادرات، واستعادة واحد من أهم الشرايين اللوجستية في البلاد، كما تعني تعدد خطوط الإمداد نحو مدينة الأبيض، المدينة التي صمدت أشهراً طويلة في مواجهة الحصار، حتى أصبحت رمزاً للصمود في وجدان السودانيين.
وحين تتعدد طرق الإمداد، تتسع خيارات الحركة، وتتراجع قدرة الخصم على عزل القوات أو فرض حصار عليها. وهذه حقيقة عسكرية لا تقل أهمية عن أي تقدم ميداني، لأنها تمنح القيادة مرونة أكبر في إدارة العمليات، وتسمح بإعادة توزيع القوات بما يتوافق مع متطلبات المرحلة التالية.
ومن هنا، فإن استقرار الموقف في شرق وشمال كردفان قد يفتح المجال أمام إعادة توجيه بعض القوات التي كانت تؤدي مهام التأمين في تلك المحاور، بما يتيح تركيز الجهد العسكري على جبهات أخرى وفق تقديرات القيادة العسكرية، وهو ما يفسر القراءة التي ترى في هذه التطورات بداية مرحلة جديدة أكثر من كونها نهاية لمعركة بعينها.
سياسياً، تحمل هذه المكاسب رسالة لا تقل أهمية عن بعدها العسكري. فاستعادة السيطرة على الطرق والمحاور الاستراتيجية تعني استعادة الدولة لقدرتها على بسط نفوذها على الأرض، وتأمين حركة المواطنين والتجارة والإغاثة، وهي عناصر تظل في جوهر أي معركة تستهدف إعادة الاستقرار قبل أي شيء آخر.
أما في الأبيض، فقد كان وقع الأخبار مختلفاً. المدينة التي واجهت أشهراً من القلق والضغوط استقبلت هذه التطورات بقدر كبير من الارتياح، أملاً في أن تكون بداية لانفراج إنساني واقتصادي طال انتظاره، وأن تعود الطرق مفتوحة بما فيها طريق الصادرات القريب من الخرطوم أمام السلع والمساعدات، بعد أن ظلت الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على حياة السكان.
ويبقى أن معارك كردفان أصبحت اختباراً لإرادة السيطرة على قلب السودان، حيث تتقاطع الطرق، وتلتقي خطوط الإمداد، وتتحدد موازين المبادرة. وإذا كانت الجغرافيا قد منحت كردفان هذه الأهمية الاستثنائية، فإن ما جرى يوم السبت قد يجعلها أيضاً نقطة التحول الأبرز في مسار العمليات، بما ستكشفه الأيام المقبلة من تطورات على الأرض وكردفان هي خط الدفاع الاخير للمليشيا عن دارفور التي لم تعد فيها المليشيا آمنة بعد الحصار المفروض عليها في عدد من المحاور والمفاجئات غير السارة التي في انتظارها خلال الأيام ان لم تكن الساعات القادمة .
