مقالات الرأي
أخر الأخبار

كابتن طيار عادل المفتي .. يكتب ✍️ معليش… معليش .. نحنا عندنا جيش

كابتن طيار عادل المفتي .. يكتب ✍️ معليش… معليش .. نحنا عندنا جيش

في إحدى أمسيات الشارقة، بعد أيام قليلة من الحرب ، كنت أجلس في قهوة تيم هورتينز التي جعلت منها مكتبا مؤقتا لي ، اجلس مع صديق، نحتسي القهوة البرازيلية على مهل، ونراقب حركة الناس التي لا تهدأ في الغربة. وفي الطاولة المجاورة، كان يجلس عدد من الإخوة الصوماليين الذين اعتادوا ارتياد المكان منذ سنوات طويلة، كأن القهوة صارت لهم وطنًا مؤقتًا يقيهم قسوة المنافي.
وحين علموا أننا سودانيان، التفت أحدهم نحونا بهدوء، ثم قال بلهجة يختلط فيها التجربة بالحكمة:

مرحبًا بكم في نادي القهاوي … نادي الذين صنعتهم الحروب.” نحن يا اخي اخوانكم شعب الصومال، نحذركم ثم نحذركم من انهيار الجيش الوطني السوداني… إذا انهار جيشكم، ستكون القهاوي هي وطنكم وملاذكم لسنين طويلة. احذروا ثم احذروا أن ينهار الجيش السوداني، فلن تجدوا بلدًا يأويكم ولا وطنًا يحتضنكم. غير هذه القهاوي .. خذوا العبرة منّا.”

ساد صمت قصير على الطاولة. لم يكن الرجل يتحدث بانفعال، بل كان يتحدث كمن جرّب معنى فقدان الدولة، وتشظي المؤسسات، وضياع المعنى الأول للوطن. كانت كلماته أبسط من الخطب، لكنها أعمق من كل التحليلات السياسية.

في تلك اللحظة، لم أستطع إلا أن أتأمل المفارقة: غريبٌ في قهوة بعيدة يذكّرنا بما يعنيه أن يكون لك جيش، وأن يكون لك وطن لا يسقط حين تتكاثر العواصف. واستوقفني أكثر ذلك التحذير الصادق من رجل لا تربطه بالسودان إلا أخوة التجربة الإنسانية مع الحرب والمنفى.

ومن هنا، بدا السؤال أكبر من السياسة وأوسع من الجدل: ماذا يعني أن يُستبدل جيش دولة بمليشيا، أو أن تُترك المؤسسات التي تحفظ توازن الوطن لتتحول إلى فراغ مفتوح على كل الاحتمالات؟
إنها ليست مجرد معركة على الأرض، بل معركة على فكرة الدولة نفسها.

ومن هذا المعنى تبدأ الحكاية… حكاية وطن لا يملك ترف التفريط في مؤسساته، ولا يحتمل أن يُختبر وجوده كل مرة تحت ضغط السلاح أو الفوضى.
معليش معليش… نحنا عندنا جيش
ليست كل الشعارات تعيش طويلًا. بعضها يشتعل كعود ثقاب، يضيء لحظة ثم ينطفئ، وبعضها يسقط أمام أول اختبار تصنعه الأيام. أما الأوطان، فلا تبنى بالشعارات، وإنما تبنى بالمؤسسات التي تبقى واقفة حين تتهاوى الكلمات.

في زمن مضى، ارتفع شعار: “معليش معليش… ما عندنا جيش.” وكان بالنسبة إلى كثيرين تعبيرًا عن موقف سياسي، بينما رآه آخرون اختزالًا خطيرًا لدور المؤسسة العسكرية في الدولة. وهناك من جعله هدفا لهم لسحق الجيش السوداني ثم تنصيب انفسهم والدعم السريع لقيادة الدولة السودانية .. ثم جاءت الحرب… والحرب لا تجادل، بل تكشف. فهي لا تسأل من كان أكثر بلاغة، وإنما من بقي واقفًا عندما اهتزت الأرض تحت أقدام الجميع.

حين تتعرض الأوطان للعواصف، لا تحرسها اللافتات، ولا تصون حدودها الهتافات، ولا تمنع سقوطها الخطب الرنانة. الذي يفعل ذلك هو وجود دولة بمؤسساتها، وعلى رأسها جيش وطني قادر على حماية السيادة والدفاع عن الأرض.

واليوم، ومع التقدم الذي يعلنه الجيش السوداني والقوات المساندة له في تحرير مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، ، وأم قرفة ، وأم بادر ، وتأمين طريق الصادرات الحيوي ، عنوةً واقتداراً، عقب معارك ضارية بشمال كردفان. وعمليات عسكرية محكمة يدير شئونها القائد العام للقوات المسلحة السودانية ورئيس هيئة القيادة والأركان , فالأول ألقى الإبرة جانبًا، وأمسك بمقصٍ حادِّ الأطراف، يقصُّ به ما يشاء من خيوط المشهد، والثاني نهض من خلوته وسباته التكتيكي، ليحوِّل ما رسمه المقص إلى واقعٍ يُدار بعقليةٍ عسكرية، وانضباطٍ لا يعرف التراخي، ودقةٍ لا تعرف الخطأ، حتى تهاوت مليشيا آل دقلو تحت وطأة الضربات. لهما التحية والإحترام ، ولشهداء الوطن الرحمة والمغفرة، وللوطن النصر والعزة، ،
تتجدد لدى كثير من السودانيين قناعة بأن الدولة لا يمكن أن تستقيم من دون مؤسسة عسكرية وطنية قوية. قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين رؤاهم حول إدارة الدولة، لكن بقاء الوطن نفسه يظل شرطًا سابقًا لكل خلاف.

لقد علمتنا هذه السنوات درسًا قاسيًا: عندما تضعف الدولة، تتسابق الأزمات إلى أبوابها. وعندما تتصدع المؤسسات، يجد كل صاحب مصلحة منفذًا للتأثير في الداخل. لذلك فإن قوة السودان لا ينبغي أن تُقاس فقط بالسلاح، بل بقدرته على بناء مؤسسات وطنية تحظى بثقة شعبها وتعمل في إطار القانون.

إن الجيش الذي يحلم به السودانيون هو جيش الدولة، لا جيش حزب، ولا جيش جماعة، ولا جيش مرحلة. جيش يرفع علم السودان وحده، ويحرس حدوده، وسماءه وأرضه ، ويؤدي واجبه وفق الدستور، ويكون ملكًا لكل السودانيين.

إن التاريخ لا يكتب أسماء من رفعوا الشعارات فحسب، بل يكتب أسماء من صانوا الأوطان عندما اشتدت المحن.
وستظل قيمة أي مؤسسة تُقاس بما تقدمه للوطن في لحظات الخطر، لا بما يقال عنها في لحظات الجدل.

ولهذا، فإن العبارة التي سيرددها الكثيرون اليوم : “معليش معليش .. نحنا عندنا جيش” ليست، في نظرهم، مجرد رد على شعار سابق، وإنما تعبير عن قناعة بأن السودان يحتاج إلى دولة قوية، ومؤسسات قوية، وجيش وطني قوي، لأن الأوطان التي تفرط في مؤسساتها تدفع أثمانًا باهظة كما دفعه الصوماليين عندما انهار جيش الدولة .

وسيأتي اليوم الذي تُطوى فيه صفحة الحرب، وتبقى الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان: أن السودان أكبر من كل خلاف، وأبقى من كل شعار، وأن رايته لا ينبغي أن ترتفع إلا فوق وطن آمن، موحد، يحرسه القانون، وتحميه مؤسساته الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية ، وجهاز أمنه ومخابراته ، ويصنع مستقبله جميع أبنائه.

ويبقى الوطن حين تُختبر الأمم، لا يحميه إلا وعي أبنائه، ولا تصونه إلا قوة مؤسساته، ولا يرفعه إلا الإيمان بالله و بأن الدولة لا تُترك للفراغ ، والديمقراطية الوطنية عائدة وراجحة وسيحميها الجيش والشعب والقانون باذن الله .

ستنتهي هذه الحرب، وسيبقى السودان. وسيذكر التاريخ من وقف إلى جانبه، ومن اختار أن يقف في الجهة الأخرى. والدرس الذي لن يتغير هو أن الدولة لا يحميها إلا جيش وطني قوي، يصون حدودها وسيادتها، ويجعل كل من يفكر في العبث بأمنها يعيد حساباته.

ستنتهي هذه الحرب، وسيبقى السودان واقفًا رغم كل الجراح. وسيكتب التاريخ بوضوح من وقف مع هذا الوطن ومن حاول كسره. والدرس الذي لا يقبل الجدل هو أن الدولة لا تُحمى إلا بقوة حقيقية، جيش وطني صلب، يسيطر على السماء والأرض والحدود والسيادة، ويجعل أي جهة تفكر في العبث بأمن البلاد تعيد حساباتها ألف مرة قبل أن تقدم على خطوة واحدة.

وما زال الباب مفتوحًا أمام كل من حمل السلاح أن يراجع موقفه، وأن يختار طريق العقل، والعودة إلى مسار السلام، وتنفيذ اتفاق جدة ووقف الحرب قبل أن يُغلق باب الفرصة نهائيًا. فكل يوم يتأخر فيه السلام، يدفع ثمنه الشعب السوداني وحده دمًا ووجعًا وخرابًا لا يرحم والهلاك والجحيم لمليشيا ال دقلو والمرتزقة الاوباش .

وفي النهاية وبالبلدي كده .. خلونا نقولها بوضوح وبلا مجاملة:
نحن ما عندنا جيش وبس، نحن عندنا جيش واقف وجيش قوي وح يعمل الجميع له الف حساب ، وله سند من قوات مشتركة، ومستنفرين، ومقاومة شعبية ، وظهر شعبي صلب، وفوق كل ذلك شعب سوداني نهض ووقف مع جيشه بصدق فلن تستطيع مليشيا أن تكسره، ولا مؤامرة أن تُسقطه، ولا ضغوط خارجية أن تُثنيه. فهذا شعب اتحد، فسيكتب النهاية بيده، لا بيد غيره ، وسيصنع مصير وطنه بنفسه. قال تعالي :
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ صدق الله العظيم.
وسأظل أردد … معليش معليش نحن عندنا جيش .. وربما يأتي يوم ألتقي فيه ذلك الصومالي مرة أخرى، فأقول له: القوات المسلحة السودانية ومن معها لم يسقطوا، ولم ينهار الجيش ، بل ثبتوا، وقاتلوا، وصمدوا، واستعادوا ما سُلب منهم، وبدأت ملامح انتصار الوطن تتشكل، والختام أقرب مما يظن البعض بإذنه تعالي ونصره وتوفيقه . فهذا شعب عاني وتوكل علي الله فسينصره الله لا محالة .
قال تعالي :
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
صدق الله العظيم .

كابتن طيار عادل المفتي
٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى