
الجيش السوداني.. من الانتصار في الميدان إلى معركة البناء والإعمار
رقية الشفيع
تحتفل القوات المسلحة السودانية في الرابع عشر من أغسطس بالذكرى الثانية والسبعين لتأسيسها، ويأتي الاحتفال هذا العام في ظروف استثنائية فرضتها تداعيات الحرب التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الماضية، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من معركة الدفاع عن الوطن وحماية سيادته إلى معركة إعادة البناء والإعمار واستعادة مؤسسات الدولة.
وفي ظل التحديات الكبيرة التي تواجه السودان، تبرز أهمية وضع رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وتحويل آثار الأزمة إلى فرصة لإطلاق عملية تنموية جديدة تستند إلى قدرات البلاد ومواردها البشرية والطبيعية.
للحديث عن هذه المرحلة، التقت النيل الدولية بالكاتب والباحث الدكتور ياسر أحمد إبراهيم، الذي أكد أن تاريخ الأمم لا يُقاس فقط بحجم الأزمات التي تمر بها، وإنما بقدرتها على تحويل المحن إلى فرص للنهوض والانطلاق نحو المستقبل.
وقال الدكتور ياسر:
“إن الأمم العظيمة ليست هي التي لم تعرف الحروب، وإنما تلك التي استطاعت أن تحول آلامها إلى قوة، ودمارها إلى نهضة، وتجاربها الصعبة إلى دروس تقودها نحو مستقبل أفضل. والسودان يقف اليوم أمام مرحلة جديدة تتطلب إرادة وطنية قادرة على إعادة البناء وصناعة المستقبل.”
وأضاف أن الحرب خلفت آثاراً كبيرة على مختلف القطاعات، حيث تضررت البنية التحتية، وتعطلت العديد من المنشآت الإنتاجية، وتأثرت المؤسسات التعليمية والصحية، كما فقد الاقتصاد الوطني جزءاً مهماً من قدراته، فضلاً عن معاناة ملايين المواطنين الذين اضطروا إلى النزوح داخل البلاد وخارجها.
وأشار إلى أن السودان يمتلك مقومات كبيرة تساعده على التعافي، من بينها الأراضي الزراعية الواسعة، والثروة الحيوانية، والموارد المعدنية، والمياه، والموقع الجغرافي المميز الذي يجعله حلقة وصل بين العالم العربي والقارة الإفريقية.
وأوضح أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد إعادة تشييد للمباني والطرق والمنشآت، بل هي مشروع وطني متكامل يهدف إلى بناء دولة حديثة، وتعزيز المؤسسات، وإنشاء اقتصاد منتج، وتحقيق التنمية المتوازنة بين مختلف مناطق السودان.
وأكد أن التجارب العالمية أثبتت أن الدول الخارجة من الحروب لم تعتمد فقط على الدعم الخارجي، وإنما نجحت عندما امتلكت رؤية استراتيجية واضحة، وحشدت طاقاتها الوطنية، واستفادت من خبرات أبنائها وكفاءاتها العلمية والمهنية.
دور القوات المسلحة في مرحلة الإعمار
وحول دور القوات المسلحة في المرحلة المقبلة، قال الدكتور ياسر إن مسؤوليتها التاريخية لم تقتصر على حماية الوطن والدفاع عن سيادته، إنما إن خبراتها المتراكمة في المجالات الهندسية والفنية والإدارية يمكن أن تسهم في دعم جهود إعادة الإعمار، بالتنسيق مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
وأشار إلى أن الإمكانات الفنية والهندسية التي تمتلكها القوات المسلحة يمكن أن تساعد في تنفيذ عدد من المشروعات الاستراتيجية، مثل تأهيل البنية التحتية، وإعادة تشغيل المنشآت الإنتاجية، والمساهمة في مشروعات الطرق والجسور والمياه والطاقة، بما يدعم عودة الحياة إلى طبيعتها.
وشدد على أن نجاح مرحلة الإعمار يتطلب بيئة تقوم على التخطيط العلمي، والإدارة الرشيدة، والشفافية، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد، حتى يشعر المواطن بأن جهود إعادة البناء تنعكس بصورة مباشرة على حياته ومستقبل أبنائه.
السودانيون في المهجر.. ثروة وطنية
وأكد الدكتور ياسر أن السودانيين في الخارج يمثلون رصيداً وطنياً مهماً بما يمتلكونه من خبرات علمية ومهنية اكتسبوها خلال سنوات عملهم في مختلف دول العالم، داعياً إلى توفير بيئة جاذبة تمكنهم من المساهمة في نقل المعرفة، والاستثمار، وتطوير المؤسسات التعليمية والإنتاجية.
وأشار إلى أهمية أن تشمل عملية إعادة الإعمار جميع ولايات السودان، بما يحقق التنمية المتوازنة ويعزز الاستقرار الاجتماعي، ويمنح المواطنين شعوراً بأن مرحلة السلام والبناء ستعود بالنفع على الجميع.
معركة البناء لا تقل أهمية عن معركة الدفاع
وقال إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى وحدة الصف الوطني وتكاتف جميع مؤسسات الدولة والمجتمع، لأن بناء الأوطان لا يتحقق بالخلافات والانقسامات، وإنما بالعلم والعمل والإنتاج والإيمان بأن مستقبل السودان مسؤولية جماعية.
وأضاف أن السودان يمتلك فرصة تاريخية لتحويل الانتصار العسكري إلى انتصار تنموي، وتحويل تضحيات أبناء الوطن إلى مشروعات تعيد الحياة للمدن والقرى، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الأجيال القادمة.
وختم الدكتور ياسر حديثه قائلاً إن معركة البناء والإعمار لا تقل شرفاً عن معركة الدفاع عن الوطن، وإن السودان الذي صنع الحضارة عبر آلاف السنين قادر على استعادة دوره، متى توحدت إرادة أبنائه، وتكاملت جهود مؤسساته، واستثمر موارده بصورة صحيحة.
وفي الذكرى الثانية والسبعين للقوات المسلحة السودانية، تتجدد الحاجة إلى تعزيز قيم الوحدة الوطنية والعمل المشترك، والانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة البناء، حتى يصبح المستقبل عنواناً لبلد يستعيد عافيته ويواصل مسيرته نحو التنمية والاستقرار.