قراءة تحليلية لخطاب البرهان بمتاسبة الاحتفال بالعيد ال 72 للقوات المسلحة بقلم:احمد اسماعيل حسن

قراءة تحليلية لخطاب البرهان بمتاسبة الاحتفال بالعيد ال 72 للقوات المسلحة
بقلم:احمد اسماعيل حسن
خطاب الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان بمناسبة العيد الـ72 للقوات المسلحة ليس مجرد خطاب احتفالي بالمناسبة العسكرية؛ بل يمكن قراءته بوصفه خطاباً سياسياً وعسكرياً ودستورياً متكاملاً، يرسم ملامح المرحلة المقبلة في السودان. وأبرز ما يلفت فيه أنه يجمع بين ثلاث رسائل كبرى: استمرار الحرب حتى تحقيق أهدافها، فتح باب سياسي للحوار، وإعادة تعريف العلاقة بين الجيش والدولة والمجتمع والقوى السياسية.
أولاً: الرسالة المركزية في الخطاب
يمكن اختصار الخطاب في معادلة واضحة:
لا سلام مع بقاء السلاح خارج الدولة، ولا عودة إلى ما قبل الحرب، ولا احتكار عسكري للعملية السياسية، وإنما تسوية سياسية تأتي بعد ترتيبات أمنية وحوار سوداني داخلي.
وهذه نقطة مهمة جداً؛ لأن البرهان لم يقدم السلام باعتباره بديلاً عن الخيار العسكري، وإنما قدمه باعتباره مساراً موازياً ومشروطاً.
فالخطاب يقول عملياً:
الحرب مستمرة لتحقيق هدفها، لكن باب السلام مفتوح لمن يريد السلام وفق شروط الدولة.
وهذا يعكس انتقال الخطاب الرسمي من مرحلة التركيز على “الحسم العسكري” فقط إلى مرحلة تجمع بين الحسم العسكري وإعادة ترتيب المشهد السياسي.
ثانياً: دلالة افتتاح الخطاب بآية “أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا”
اختيار الآية ليس عابراً.
البرهان يبدأ خطابه بآية مرتبطة في الوعي الإسلامي بمشروعية القتال دفاعاً عن النفس بعد وقوع الظلم.
وبذلك يمنح الخطاب الحرب منذ اللحظة الأولى إطاراً أخلاقياً ودينياً ودفاعياً، وليس إطاراً سياسياً محضاً.
الرسالة الضمنية:
القوات المسلحة لا تقدم نفسها باعتبارها طرفاً في صراع على السلطة، وإنما باعتبارها قوة تدافع عن وطن تعرض للعدوان.
وهذا يتسق مع العبارة التي تتكرر لاحقاً حول:
“حماية الأمة السودانية والوطن السوداني”
إذن هناك محاولة واضحة لنقل توصيف الحرب من صراع بين قوتين إلى معركة دولة في مواجهة تمرد مسلح.
وهذه واحدة من أهم الركائز الفكرية للخطاب.
ثالثاً: البرهان يعيد تعريف الحرب باعتبارها حرب دولة
أهم جملة في هذا السياق هي:
“أن يبقى ويظل هذا الجيش جيشاً للسودان”
ثم:
“دون موالاة لأي جهة أو الخضوع لأي إرادة سوى إرادة الشعب”
هذه العبارة تحمل أكثر من رسالة.
داخلياً
هي رسالة إلى القوى السياسية والمجتمعية بأن القوات المسلحة تريد تثبيت صورتها باعتبارها مؤسسة وطنية فوق الاصطفافات السياسية.
سياسياً
هي رد ضمني على الاتهامات التي ظلت توجه للجيش بأنه يمثل تياراً سياسياً أو أيديولوجياً بعينه.
دستورياً
هي محاولة لتثبيت مفهوم أن وظيفة الجيش هي حماية الدولة وليس صناعة السلطة السياسية.
وهنا تظهر مفارقة مهمة في الخطاب:
البرهان يؤكد استقلال الجيش عن السياسة، وفي الوقت نفسه يتحدث عن استكمال مؤسسات الحكم والحوار والمجلس التشريعي.
أي أن الجيش، وفق الخطاب، لا يريد أن يكون حزباً سياسياً، لكنه يريد أن يكون الضامن والمؤثر الأساسي في إعادة بناء الدولة.
رابعاً: “مليشيا آل دقلو” — تثبيت التوصيف السياسي والقانوني
استخدام البرهان تعبير:
“مليشيا آل دقلو الإرهابية”
بدلاً من الاكتفاء بتسمية “الدعم السريع”، يحمل دلالة سياسية واضحة.
فالخطاب لا يعترف بهذه القوة بوصفها طرفاً عسكرياً موازياً للدولة، وإنما يقدمها باعتبارها تمرداً ومليشيا.
وهذا مهم جداً في فهم شروط السلام التي طرحها.
فالبرهان لا يقول:
نتفاوض مع قوة عسكرية مساوية للدولة.
بل يقول عملياً:
هناك تمرد يجب أن ينتهي أولاً، ثم يمكن النظر في أوضاع المقاتلين.
ولهذا تأتي العبارة الحاسمة:
“ماضون في استكمال تطهير أرض السودان من التمرد”
لكن في المقابل مباشرة يفتح الباب أمام المبادرات:
“لا يعني غض الطرف عن أي مبادرة صادقة للسلام.”
وهنا تتضح فلسفة الخطاب:
القوة العسكرية لإجبار الطرف الآخر على تغيير المعادلة، والسياسة لمعالجة ما بعد المعركة.
خامساً: شروط السلام في الخطاب ليست شروطاً تفاوضية عادية
البرهان يعيد التأكيد على موقف ظل مطروحاً منذ بداية الحرب، لكنه يصوغه بصورة أكثر تفصيلاً:
وضع السلاح.
التجمع في مناطق محددة.
عودة المواطنين إلى مناطقهم.
عودة الخدمات.
التأمين والحماية والرقابة.
النظر بعد ذلك في أوضاع المقاتلين غير المتورطين في الجرائم.
هذه النقطة شديدة الأهمية.
فالخطاب يميز بين:
المقاتل والمجرم.
وهذا يفتح نظرياً الباب أمام ترتيبات تتعلق بالمقاتلين الذين لم تثبت مشاركتهم في جرائم، بينما يغلق الباب أمام فكرة العفو الجماعي.
لذلك فإن عبارة:
“لن نرضى بسلام منقوص”
هي في الحقيقة واحدة من أهم مفاتيح الخطاب.
البرهان يرفض السلام الذي يؤدي إلى تقاسم السلطة بوصفه نتيجة مباشرة للحرب.
وهذا يعني أن التسوية السياسية، وفق رؤيته، يجب أن تأتي بعد إعادة ضبط العلاقة بين السلاح والدولة.
سادساً: أخطر تحول في الخطاب هو الانتقال إلى “المسار السياسي”
بعد أن أمضى الجزء الأول في تثبيت الموقف العسكري، ينتقل الخطاب إلى القضية السياسية.
وهنا تظهر عبارة مهمة جداً:
“إكمال مؤسسات الحكم في الدولة (المجلس التشريعي)”
هذه ليست مجرد إشارة إجرائية.
إنها تعني أن السلطة تريد الانتقال تدريجياً من إدارة الحرب إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة.
ومن هنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره إعلاناً عن مرحلة جديدة:
مرحلة ما بعد تشكيل مركز الدولة أثناء الحرب.
أي أن السؤال لم يعد فقط:
“كيف ننتصر في الحرب؟”
بل بدأ يصبح:
“كيف تُدار الدولة بعد أن استعادت مؤسساتها تماسكها؟”
سابعاً: الحوار السوداني الداخلي هو أهم رسالة سياسية جديدة
الجزء الخاص بالمبادرة الوطنية للحوار ربما يكون الأكثر أهمية سياسياً في الخطاب كله.
فالبرهان يعلن بوضوح أن الدولة:
لن تنظم الحوار.
لن تحدد أطرافه.
لن ترسم أجندته.
لن تتحكم في مخرجاته.
هذه محاولة لتقديم الحوار باعتباره:
“حواراً سودانياً خالصاً”
وليس مؤتمراً حكومياً.
وهذه الرسالة تستهدف مشكلتين تاريخيتين في السياسة السودانية:
الأولى: التدخل الخارجي
فالخطاب ينتقد القوى التي:
“تجتمع وتنفض بين عواصم الدول”
ويشير إلى “أجندات غير وطنية”.
الثانية: احتكار الدولة للحوار
ولذلك يحرص البرهان على القول إن الدولة ستوفر الضمانات، لكنها لن تملك الحوار.
وهذا من الناحية السياسية محاولة لإعادة مركزية الداخل السوداني في صناعة التسوية.
ثامناً: الحديث عن الضمانات والحصانات ليس تفصيلاً قانونياً
أعتقد أن هذه النقطة تستحق اهتماماً خاصاً في أي قراءة صحفية للخطاب.
فالبرهان لم يكتفِ بالحديث العام عن الحوار، بل دخل في تفاصيل قانونية دقيقة جداً.
وهذا يعني أن هناك إدراكاً بأن العقبة الأكبر أمام الحوار ليست فقط سياسية، وإنما أيضاً:
الخوف من الملاحقة القانونية.
ولهذا قدم ثلاثة مستويات من الضمانات.
1. وقف الإجراءات الجنائية
الخطاب يصر على أن هذا ليس “عفواً”.
وهذه نقطة قانونية وسياسية بالغة الأهمية.
فالرسالة:
الدولة لا تتنازل مسبقاً عن حقها في العدالة، لكنها قد توقف الإجراءات مؤقتاً لتوفير مناخ الحوار.
2. حماية حقوق الأطراف الخاصة
وهنا يفرق الخطاب بين الدولة وبين حقوق الأفراد.
أي أن وقف الإجراءات لا يعني بالضرورة إسقاط حقوق الضحايا أو أصحاب الحقوق الخاصة.
3. الحصانة عن الآراء والمواقف داخل الحوار
وهذه ربما الأكثر جرأة.
فالخطاب يتحدث عن حماية دائمة للأقوال والآراء والمقترحات التي تطرح داخل الحوار.
بمعنى آخر:
لا ينبغي أن يتحول الحوار إلى فخ قانوني للمشاركين.
وهذه ضمانة مهمة لأي حوار سياسي جاد.
تاسعاً: البرهان يفتح باباً مهماً جداً للحريات العامة
اللافت أن الخطاب لا يحصر الحريات في المشاركين في الحوار.
بل يقول إن:
“الحوار الوطني لا ينبغي أن يكون عملية مغلقة”
ويطالب بفضاء عام يسمح للمواطنين والقوى السياسية والمجتمعية بالنقد والتأييد.
وهذا تطور مهم في الخطاب.
لأن الحوار، وفق هذا التصور، ليس:
غرفة مغلقة بين السياسيين.
بل عملية اجتماعية وسياسية مفتوحة.
وهذا يعني أن نجاح المبادرة لن يقاس فقط بعدد المشاركين حول الطاولة، وإنما بمدى قدرتها على خلق مناخ سياسي يسمح بالنقاش العام.
عاشراً: خطاب البرهان يحاول بناء مثلث جديد للاستقرار
من أقوى العبارات في الخطاب:
“تحقيق الانسجام بين الشعب والجيش والنخب”
ثم يقول:
“فالآن الجيش والشعب في أكمل مراحل الانسجام وننظر إلى الحوار المقبل لإكمال مثلث الاستقرار.”
هذه ربما تكون المعادلة السياسية الأوضح في الخطاب كله:
الجيش + الشعب + النخب = الاستقرار.
وهذا يعني أن البرهان يرى أن الحرب أنتجت، من وجهة نظره، حالة تقارب بين الجيش والشعب، وأن الحلقة الناقصة هي النخب السياسية.
وهنا يصبح الحوار ليس مجرد وسيلة لإنهاء الحرب، وإنما وسيلة لـ:
إعادة دمج النخب في مشروع الدولة.
الحادي عشر: خطاب “الجيش والشعب” يتجاوز التعبئة العسكرية
الخطاب يقول:
“شكراً شعب السودان تحملتم الألم وكسرتم الخوف حماية لفكرة الوطن”
هذه العبارة مهمة جداً.
فهو لا يشكر الشعب فقط على دعمه للقوات المسلحة، وإنما يربط موقف الشعب بـ “فكرة الوطن”.
وهنا يتحول الصراع من الدفاع عن مؤسسة عسكرية إلى الدفاع عن مفهوم الدولة والوطن.
وهذه عملية سياسية مهمة جداً في بناء الشرعية.
فالشرعية التي يحاول الخطاب إنتاجها تقوم على ثلاثة مصادر:
الشرعية الوطنية + الشرعية الشعبية + الشرعية المؤسسية.
الثاني عشر: توسيع دائرة الشكر يكشف طبيعة التحالف الذي تشكل أثناء الحرب
في نهاية الخطاب، لا يكتفي البرهان بذكر القوات المسلحة.
بل يسرد:
جهاز المخابرات.
الشرطة.
القوات المشتركة.
المقاومة الشعبية.
درع السودان.
قوات وكتائب الإسناد.
قوات قشن.
الجهاز التنفيذي.
الوزارات.
لجان الإسناد المدني.
التكايا.
دور الإيواء.
هذه القائمة ليست بروتوكولية فقط.
إنها في الحقيقة خريطة للتحالف الاجتماعي والعسكري الذي تشكل حول الدولة أثناء الحرب.
فالخطاب يقول ضمناً:
هذه ليست حرب الجيش وحده؛ إنها حرب منظومة واسعة من مؤسسات الدولة والقوى المجتمعية والمساندة.
ومن ثم فإن أي ترتيبات سياسية لاحقة سيكون من الصعب، وفق هذا المنطق، أن تتجاهل هذه القوى التي شاركت في الحرب.
الثالث عشر: ذكر النازحين واللاجئين يحمل رسالة سياسية وإنسانية
العبارة:
“لا بد من عودة وإن طال السفر”
ثم:
“نريدها عودة لا نزوح ولا خوف بعدها”
من أكثر أجزاء الخطاب ارتباطاً بمستقبل السودان.
فالعودة هنا ليست مجرد قضية إنسانية.
إنها في الوقت ذاته:
هدف عسكري وسياسي واستراتيجي.
لأن استعادة الأرض، وفق هذا الخطاب، لا تكتمل إذا ظل أهلها خارجها.
وبالتالي يصبح معيار النجاح النهائي:
عودة الدولة + عودة المواطن + عودة الخدمات + عودة الأمن.
الرابع عشر: الاستشهاد بتشرشل يحمل دلالة نفسية أكثر من كونه تاريخياً
إشارة البرهان إلى تشرشل و”قوم موسى” تبدو محاولة لرفع الروح المعنوية وربط صبر الشعب السوداني أثناء الحرب بتجارب تاريخية صعبة.
لكن الأهم في العبارة هو قوله إن الشعب:
“تحمل الألم وكسر الخوف”
ثم ربط ذلك بالشجاعة.
أي أن الخطاب يقدم الصبر الشعبي باعتباره جزءاً من الانتصار العسكري.
وهذا يخلق سردية:
الجيش يقاتل في الجبهة، والشعب يقاتل بالصبر والتحمل.
الخامس عشر: خطاب البرهان يحمل رسالتين متوازيتين للداخل والخارج
الرسالة إلى الداخل:
لن نتراجع عسكرياً، لكننا مستعدون لفتح الباب أمام حوار سياسي سوداني واسع.
الرسالة إلى الخارج:
الحل يجب أن يكون سودانياً، والدولة لن تقبل بفرض تسوية خارجية أو إعادة إنتاج السلطة عبر الحرب.
وهذا واضح في انتقاده للقوى التي تتحرك بين العواصم، وفي تأكيده على استقلال الحوار.
السادس عشر: ما الذي لم يقله الخطاب؟
أحياناً تكون الأشياء التي يغفلها الخطاب أكثر دلالة مما يقوله.
الخطاب تحدث بتفصيل عن:
الحرب.
السلام.
الحوار.
الضمانات.
المجلس التشريعي.
القوات المسلحة.
الشعب.
لكنه لم يقدم تفاصيل كبيرة حول شكل النظام السياسي النهائي.
لم يحدد بصورة تفصيلية:
طبيعة السلطة الانتقالية المقبلة.
الجدول الزمني للانتقال.
شكل الحكومة.
كيفية اختيار القوى السياسية.
الانتخابات.
العلاقة النهائية بين المؤسسة العسكرية والمدنية.
وهذا يعني أن الخطاب فتح الباب السياسي، لكنه لم يحسم شكل المرحلة السياسية المقبلة.
وهذه مساحة ستظل مفتوحة أمام التطورات.
السابع عشر: هل الخطاب خطاب نصر أم خطاب مرحلة انتقال؟
في تقديري، هو خطاب انتصار ومرحلة انتقال في آن واحد.
في الشق العسكري، نبرة الخطاب هي نبرة ثقة:
“هم وداعميهم إلى زوال.”
وفي الشق السياسي، نبرة الخطاب هي نبرة انتقال:
“إكمال مؤسسات الحكم.”
وفي الشق الاجتماعي:
“عودة النازحين واللاجئين.”
وفي الشق الوطني:
“تحت راية السودان.”
إذن يمكن وضع الخطاب في إطار:
من شرعية الحرب إلى شرعية إعادة بناء الدولة.
وهذه هي الفكرة الأعمق التي تحكم بنيته.
الثامن عشر: القراءة السياسية الأعمق
إذا أردنا قراءة الخطاب بعيداً عن العبارات الاحتفالية، فإن البرهان يبدو وكأنه يطرح مشروعاً من أربع مراحل:
المرحلة الأولى: تثبيت الدولة عسكرياً
إكمال الحرب ضد قوات الدعم السريع واستعادة المناطق.
المرحلة الثانية: تثبيت الدولة مؤسسياً
إكمال مؤسسات الحكم، ومن بينها المجلس التشريعي.
المرحلة الثالثة: إطلاق الحوار الوطني
إشراك القوى السياسية والمجتمعية في عملية سودانية داخلية.
المرحلة الرابعة: إعادة بناء الاستقرار
عودة النازحين، إعادة الخدمات، إعادة الإعمار، وتطوير القوات المسلحة والدولة.
وبالتالي فإن الخطاب لا يقدم “الحوار” باعتباره نهاية الحرب فقط، بل باعتباره جسراً من الحرب إلى الدولة المستقرة.
التاسع عشر: التحدي الأكبر أمام هذه الرؤية
نجاح هذه الرؤية سيعتمد على قدرة الدولة على الإجابة عن سؤال جوهري:
كيف يمكن تحويل الاصطفاف الشعبي والعسكري الذي نشأ أثناء الحرب إلى توافق سياسي واسع بعد الحرب؟
فالمعادلة أثناء الحرب أسهل:
من مع الدولة ومن ضدها.
لكن بعد الحرب تصبح الأسئلة أكثر تعقيداً:
من يشارك؟
من يستبعد؟
من يحاسب؟
من يعفو عنه؟
كيف يتم الانتقال؟
ما حدود دور الجيش؟
كيف تُدمج القوى المسلحة؟
كيف تتم العدالة؟
كيف يعود النازحون؟
كيف تعاد الخدمات؟
كيف تُدار الانتخابات؟
ولهذا فإن الحوار الذي تحدث عنه البرهان سيكون أصعب من الحوار الذي سبق الحرب، لأنه سيجري في ظل مجتمع أكثر انقساماً، وذاكرة حرب أكثر قسوة، وقوى جديدة تشكلت على الأرض.
الخلاصة: ماذا يريد البرهان أن يقول للسودانيين؟
لو أردنا اختزال الخطاب كله في خمس رسائل، فهي:
أولاً: القوات المسلحة ترى نفسها في معركة دفاع عن الدولة والوطن، وليس في صراع على السلطة.
ثانياً: الحرب مستمرة حتى تحقيق أهدافها، ولا يوجد في الخطاب ما يشير إلى قبول تسوية تعيد الوضع السابق للحرب.
ثالثاً: باب السلام مفتوح، لكن السلام في الرؤية المطروحة يبدأ بإنهاء وضع السلاح الموازي للدولة.
رابعاً: هناك انتقال واضح نحو المسار السياسي من خلال الحوار السوداني الداخلي واستكمال مؤسسات الحكم.
خامساً: البرهان يحاول تأسيس معادلة سياسية جديدة عنوانها: جيش قوي، شعب متماسك، ونخب تدخل في حوار وطني، تحت سقف الدولة السودانية.
والعنوان الأعمق للخطاب في تقديري:
“من معركة بقاء الدولة إلى معركة إعادة بناء الدولة”
أو بصياغة صحفية أكثر جاذبية:
“خطاب البرهان في عيد الجيش.. الحرب مستمرة، وباب السلام مفتوح، والدولة تستعد لمرحلة ما بعد المعركة”
وهناك عبارة يمكن اعتبارها مفتاح الخطاب كله:
“الجيش والشعب في أكمل مراحل الانسجام.. والحوار المقبل لإكمال مثلث الاستقرار.”
فهي تكشف أن البرهان لا يتحدث فقط عن عيد القوات المسلحة، وإنما يحاول رسم المعادلة السياسية للسودان في المرحلة القادمة: الجيش، الشعب، والنخب؛ الحرب لإنهاء التمرد، والحوار لبناء ما بعد الحرب.