زيارة مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى الخرطوم.. رسالة أفريقية جديدة ودلالات ما بعد الزيارة

زيارة مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى الخرطوم.. رسالة أفريقية جديدة ودلالات ما بعد الزيارة
احمد اسمناعيل حسن
في خطوة تحمل دلالات سياسية ودبلوماسية مهمة، وصل إلى العاصمة الخرطوم في أغسطس وفد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، برئاسة السفير
محمد خالد مندوب الجزائر لدى الاتحاد الافريقي الرئيس الدوري للمجلس لشهر اعسطس في زيارة تأتي في توقيت بالغ الأهمية بالنسبة للسودان والاتحاد الأفريقي على السواء، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة في مسار التعاطي الأفريقي مع الأزمة السودانية.
وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها تأتي في إطار تحرك أفريقي لإعادة ترتيب البيت الأفريقي، وتعزيز حضور الاتحاد في الملفات المرتبطة بالسلم والأمن والاستقرار في القارة، وفي مقدمتها الأزمة السودانية التي ظلت طوال الفترة الماضية محل اهتمام إقليمي ودولي واسع.
وأكد رئيس الوفد خلال الزيارة حرص الاتحاد الأفريقي على سيادة السودان واستقلاله ووحدة أراضيه واستقراره، في رسالة تعكس، في جانب منها، رغبة المؤسسة الأفريقية في التأكيد على أن معالجة الأزمة السودانية ينبغي أن تتم بما يحفظ الدولة السودانية ومؤسساتها ويصون قرارها الوطني.
وشملت الزيارة لقاءات مع رئيس مجلس السيادة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، ورئيس مجلس الوزراء، إلى جانب الاطلاع ميدانياً على الأوضاع في الخرطوم، والوقوف على حجم التحولات التي شهدتها العاصمة عقب استعادة القوات المسلحة السيطرة عليها وخروج مليشيا الدعم السريع منها، وما صاحب ذلك من عودة متزايدة للمواطنين إلى مناطقهم ومنازلهم.
وتحمل مشاهدة الوفد للخرطوم على أرض الواقع أهمية خاصة؛ إذ إن الزيارة الميدانية تتيح للمؤسسة الأفريقية تكوين رؤية مباشرة حول طبيعة الأوضاع الأمنية والإنسانية والخدمية، بعيداً عن التقارير والتقديرات التي قد لا تعكس بالضرورة الصورة الكاملة لما يجري على الأرض.
كما أن عودة المواطنين إلى العاصمة، واستعادة مؤسسات الدولة لنشاطها، تمثل مؤشرات يمكن أن تدفع الاتحاد الأفريقي إلى إعادة تقييم مقاربته للملف السوداني، خصوصاً في ظل المتغيرات العسكرية والسياسية المتسارعة.
ولا تبدو زيارة مجلس السلم والأمن الأفريقي مجرد زيارة بروتوكولية، بل يمكن قراءتها باعتبارها رسالة سياسية أفريقية تحمل ما بعدها. فوجود وفد رفيع المستوى في الخرطوم، ولقاؤه بقيادة الدولة، ووقوفه على الأوضاع ميدانياً، قد يمهد لمرحلة جديدة من التواصل المباشر بين السودان والاتحاد الأفريقي.
ومن المتوقع أن تسهم الزيارة في تحريك ملف السودان داخل مؤسسات الاتحاد الأفريقي، وإعادة ترتيب الأولويات بشأن التعامل مع الأزمة، خاصة في ما يتعلق بدعم الاستقرار، وتشجيع العودة الطوعية للنازحين والمهجرين، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار، فضلاً عن دعم مسار سياسي سوداني يحفظ وحدة البلاد وسيادتها.
كما يمكن أن تشكل الزيارة مدخلاً لإعادة بناء الثقة بين الخرطوم والاتحاد الأفريقي، وتطوير قنوات الحوار المباشر، بما يسمح للاتحاد بلعب دور أكثر توازناً وواقعية في المرحلة المقبلة، بعيداً عن القراءات الجاهزة أو المقاربات التي لا تضع التطورات الميدانية والسياسية الجديدة في الاعتبار.
وتأتي أهمية هذا التحرك أيضاً من خصوصية الدور الذي يفترض أن يضطلع به الاتحاد الأفريقي في أزمات القارة؛ فالسودان ليس مجرد ملف أمني عابر، وإنما قضية تمس الأمن الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل، ما يجعل استقراره مصلحة أفريقية مشتركة.
وفي ضوء ذلك، فإن الخرطوم تنتظر من الزيارة أكثر من البيانات والتصريحات، إذ تبرز الحاجة إلى ترجمة الرسائل الأفريقية إلى مواقف عملية، تدعم استقرار السودان، وتحترم سيادته، وتساند مؤسسات الدولة، وتدفع نحو سلام مستدام يعالج جذور الأزمة ولا يكتفي بإدارة تداعياتها.
وبينما غادر الوفد الخرطوم بعد أن شاهد العاصمة ووقف على واقعها الجديد، تبقى الأسئلة مفتوحة حول ما ستنتجه الزيارة في أروقة الاتحاد الأفريقي، وما إذا كانت ستقود إلى تغيير ملموس في طريقة تعاطي المؤسسة القارية مع الأزمة السودانية.
لكن المؤكد أن زيارة مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى الخرطوم جاءت في لحظة مفصلية، وأن لقاءات الوفد ومشاهداته الميدانية من شأنها أن توفر أساساً جديداً لتقييم الموقف الأفريقي، وربما تفتح الطريق أمام مرحلة مختلفة عنوانها: الحوار المباشر، احترام السيادة، ودعم استقرار السودان وإعادة بناء دولته.
ومن هنا، فإن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في ما قيل خلالها، وإنما في ما يمكن أن يحدث بعدها.

