لمن يهمه الأمر بقلم :إدريس هشابه إبراهيم بختان.. عاد بالتلفزيون إلى الحياة ورحل بعد أن أدى الأمانة

لمن يهمه الأمر
بقلم :إدريس هشابه
إبراهيم بختان.. عاد بالتلفزيون إلى الحياة ورحل بعد أن أدى الأمانة
ما أقسى أن يعود الإنسان إلى المكان الذي أحبّه، فيمنحه من عمره وجهده ما يكفي ليقف على قدميه من جديد، ثم يرحل قبل أن يكتمل فرحه بما أنجز.
هكذا بدا رحيل الباشمهندس إبراهيم جمعة بختان؛ أحد الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية إعادة التلفزيون القومي إلى الحياة، بعد أن تركت الحرب جراحها العميقة في مبانيه واستوديوهاته ومعداته، وبعد أن عبثت المليشيا بممتلكاته واستولت على سياراته وعربات نقله التلفزيوني، وحاولت أن تطفئ صوته وتغلق نافذته التي ظلت مفتوحة على الوطن.
عاد التلفزيون إلى البث من بورتسودان، ثم عاد إلى مقره في أم درمان بعد تحريره، وكان بختان في قلب هذه الرحلة الشاقة؛ يعمل بعيداً عن الضجيج، ويؤدي مهمته كما عرفه زملاؤه دائماً: هادئاً، صبوراً، عارفاً بواجبه، ومخلصاً للمؤسسة التي أفنى فيها سنوات عمره.
لكن قصة بختان مع الوفاء لم تبدأ مع عودة التلفزيون إلى أم درمان.
قصته الحقيقية بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، عندما حاولت المليشيا استمالته إلى صفها، وعرضت عليه مبلغاً مالياً ضخماً يتجاوز خمسمائة ألف دولار، مقابل أن يمنحها شارة البث.
كان العرض كفيلاً بأن يغير حياة رجل في لحظة.
لكنه لم يغيّر بختان.
رفض العرض، ولم يدخل معهم حتى في مجرد حديث حوله، واختار الابتعاد إلى مكان آمن، محافظاً على موقفه ومهنته وشرف المؤسسة التي ينتمي إليها.
هذه الرواية سمعتها منه شخصياً، ولم أكن بحاجة إلى كثير من الدهشة لأصدقها؛ فقد عرفت إبراهيم بختان قبل أكثر من عقدين، وعرفت الرجل قبل أن أعرف المدير.
كان ذلك في عام 2003 جمعتني به الأقدار وتعرفت عليه ووقتها كان شعلة من النشاط والعمل الدؤوب يقابلك وهو هاشا باسما وينجز أعماله الهندسية والتقنية بهدوء وسكينة تامة وهو يعرف كل صغيرة وكبيرة وقد ساهم في تأسيس العديد من المراكز الإعلامية ووضع لبناتها الهندسية والتقنية وكان تجد لمساته الهندسية الفنية في جميع القنوات الفضائية السودانية ولاتوجد قناة في الفضاء السوداني إلا وتجد اسمه محفورا في ذاكرتها الهندسية والفنية بختاج خريج جامعة الخرطوم كان مشهوداً له بالكفاءة والخبرة.
كثيرةٌ هي المواقف التي تكشف عن نُبل الرجل وصدق معدنه، ولعل من أبلغها موقفٌ ظلّ عالقاً في الذاكرة، يتمثل في التزامه لوالي ولاية النيل الأبيض، الفريق الركن قمر الدين محمد فضل المولى، بإعداد الدراسة الفنية والهندسية الخاصة بانشاء فضائية للولاية تعكف حكومة الولاية على إنشائها.
وقد أفادني الزميل خالد سهري، ونحن نتحدث عن مآثر الفقيد ونتبادل العزاء في رحيله، بأن الرجل أوفى بوعده كاملاً؛ فأنجز الدراسة وسلمها للولاية متكاملة، وفاءً بما التزم به، وإيماناً منه بأن ما يُوعد به لا بد أن يُنجز.
وأن الوالي كان بصدد إصدار قرار ليكون عضواً في اللجنة الفنية المعنية بالمشروع، تقديراً لخبرته وإسهامه في إنجاز الدراسة.
وهكذا رحل الرجل، لكنه ترك وراءه ما هو أبقى من الذكرى؛ ترك أثراً شاهداً على نبل أخلاقه، وصدق التزامه، وإخلاصه في خدمة الناس والوطن. فبعض الرجال لا تُقاس قيمتهم بما يقولون، وإنما بما ينجزون، ولا يُختبر معدنهم في لحظات الرخاء، بل بما يتركونه من أثرٍ طيب بعد الرحيل.
لكن ما لفتني فيه لم يكن علمه وحده.
كان شيئاً آخر.
بساطة لا تتصنع، وأدباً لا يتكلف، وتواضعاً لا ينتقص من مقامه، وخلقاً بقي ملازماً له حتى وهو يرتقي في السلم الوظيفي، إلى أن أصبح مديراً لقطاع الهندسة في التلفزيون القومي.
مرت السنوات، وتوطدت علاقتي به، وتغيرت المواقع والمسؤوليات، لكن إبراهيم بختان لم يتغير.
ظل هو الرجل ذاته الذي عرفته عام 2003.
وحين جاءت الحرب لم تحتاج شخصيته لكثير من الاختبار فقد ك ان موقفه واضحا منذ البداية.
ثم بدأت رحلة استعادة التلفزيون.
لم تكن المهمة محض إعادة تشغيل أجهزة أو اصلاح استوديهات كانت معركة لاسترداد مؤسسة كان المليشيا تسعى لجعلها ناطقة بخطابها الدموي أو جعلها صامته ولاعادة صوت الدولة الي شاشة ظلت طوال عقود جزءا من ذاكرة السودانيين.
وفي هذه المعركة كان بختان واحدا من جنودها المجهولين.
عمل مع زملائه وتحمل مشقة العودة
وأسهم في إعادة تشغيل التلفزيون من امدرمان حتى اضاءت الشاشة من جديد.
وكأن القدر كان يهيء له مشهدا أخيرا.
عاد التلفزيون إلى امدرمان واستقرت أقدامه من جديد. ثم مضى بعد أن أنجز المهمة.
قبل أن أعود إلى المنزل بعد يوم عمل شاق.لم أكن أعلم اني سأحمل معي خبر اثقل من كل عناء اليوم
خبر رحيل المهندس إبراهيم بختان
كان من أولئك الذين ظننا دوما أن لهم وقتا آخر لأن أمثالهم لانتخيل غيابهم، نراهم جزءا من المكان ، ومن ذاكرة المؤسسة، ومن تفاصيل أيامنا فنعتقد انهم يبقون مابقي المكان.
لكن الموت لايعترف بهذه الحسابات.
ذهب فاروق وإبراهيم ووجه ومجدي من قبل في حادثة المسيرة بالقصر الجمهوري وهاهو ابراهيم بختان يلحق بهم وكأن رجالا اعطوا التلفزيون من أعمارهم ، إختاروا أن يرحلوا واحدا تلو الآخر بعد أن أدوا ماعليهم.
بختان لم يرحل وفي يده شارة بث باعها بثمن بخس دراهم معدودة ، بل رحل وهو احد الذين اعادوا شارة البث الى مكانها.
لم يرحل بعد أن ترك المؤسسة في منتصف الطريق بل رحل بعد أن إستعادت عافيتها.
لم يرحل وهو يبحث عن مجد شخصي بل رحل بعد أن ترك اثرا يعرفه كل من عمل معه.
وهنا تكمن قسوة الفقد، وجمال السيرة في آن واحد أن يمضي الإنسان ويبقى موقفه.
أن يغيب الوجه وتبقى الملامح في ذاكرة من عرفوه.
إن يرحل الرجل وتظل سيرته تقول ان الأمانة كانت عنده اثقل من المال وأن المهنة كانت عنده مسؤولية لاصفقة.
رحم الله الباشمهندس ابراهيم جمعه بختان.
رحم الله الرجل الذي عرفته منذ أكثر من عشرين عاما فلم تبدله الايام ولم تغيره المناصب.