الحاصل شنو؟ عندما يصبح الدولار أسرع من القرارات

بقلم: رشا أحمد البشير
لم يعد ارتفاع الدولار في السودان خبرًا اقتصاديًا عابرًا، ولا رقمًا يتغير في السوق ثم ينتهي أثره عند حدود النشرات الاقتصادية.
لقد أصبح الدولار عنوانًا لأزمة أكبر.
أزمة تمس قيمة العملة، وتكشف هشاشة الاقتصاد، وتستنزف قدرة المواطن على الاحتمال، وتضع أمام الدولة سؤالًا لم يعد من الممكن تأجيله:
إلى متى؟
كل ارتفاع جديد لا يبقى في سوق العملات، بل يجد طريقه سريعًا إلى حياة الناس. إلى أسعار الطعام والدواء والمواصلات والإيجارات، وإلى كل ما يحتاجه المواطن ليعيش يومه.
ولهذا لم يعد السؤال: كم بلغ سعر الدولار اليوم؟
السؤال الأهم هو:
إلى أين نمضي بهذا الانفلات؟
وإلى متى يظل المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن؟
يدفع ثمن ارتفاع الدولار، وارتفاع الأسعار، وتأخر القرارات، واضطراب السوق، والقلق الذي أصبح جزءًا من تفاصيل حياته اليومية.
لا أحد ينكر أثر الحرب. فقد تركت وراءها اقتصادًا منهكًا، وأضعفت الإنتاج، وأربكت الأسواق، وأثرت في حركة التجارة والموارد. لكن الحرب، مهما كان حجم الخراب الذي أحدثته، لا يمكن أن تتحول إلى إجابة جاهزة عن كل سؤال، ولا إلى مبرر دائم لكل ما يحدث.
فبعد أن نعرف حجم الكارثة، يبقى السؤال الأهم:
ماذا نفعل الآن؟
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة.
لقد سمع المواطن كثيرًا عن الظروف الصعبة، وعن الحرب، وعن التحديات التي تواجه الاقتصاد. وهو، في الحقيقة، لا يحتاج إلى مزيد من الشرح.
الناس عارفة إنو الوضع صعب.
المواطن يعيش الأزمة قبل أن يسمع عنها، ويعرف التضخم قبل أن يقرأ تقارير الاقتصاد، ويشعر بانخفاض قيمة العملة قبل أن تصدر الأرقام الرسمية.
ما يحتاجه ليس تفسيرًا جديدًا للأزمة، بل أن يرى إدارة قادرة على التعامل معها.
فالاقتصاد لا يُدار بالتصريحات، والأسواق لا تستقر بالأمنيات، وثقة الناس لا تُستعاد بمجرد مطالبتهم بالصبر.
هناك سياسات تحتاج إلى مراجعة، وقرارات يجب أن تُتخذ، وموارد ينبغي أن تُدار بكفاءة، وإنتاج لا بد أن يعود إلى موقعه الطبيعي في قلب الاقتصاد.
لكن قبل كل ذلك، ينبغي أن نعرف:
من يدير هذه الأزمة؟
وما هي خطته؟
وما الذي تحقق منها؟
وإذا لم تحقق السياسات المتبعة نتائجها، فهل تمت مراجعتها فعلًا؟
أم أننا نعيد الأدوات نفسها، وننتظر نتائج مختلفة؟
السودان اليوم لا يملك رفاهية الوقت. فكل يوم يمر دون معالجة حقيقية للأزمة ليس يومًا محايدًا، وإنما يوم جديد يدفع المواطن ثمنه.
كل ارتفاع في الدولار يفتح الباب لارتفاع جديد في الأسعار، وكل حالة غموض تزيد القلق، وكل تأخير في اتخاذ قرار ضروري يتحول في النهاية إلى تكلفة إضافية على الناس.
وأخطر ما يمكن أن يحدث في اقتصاد مضطرب ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل أن يفقد الناس الثقة في أن هناك طريقًا للخروج.
عندما يصبح المواطن غير قادر على توقع ما سيحدث غدًا، يتحول الخوف نفسه إلى جزء من الأزمة. يتردد الناس، ويضطرب السوق، وتنتشر الشائعات، ويصبح كل ارتفاع جديد سببًا لمزيد من الارتفاع.
وهنا لا يمكن أن نقف عند حدود القول إن الظروف صعبة.
المسؤولية الحقيقية تبدأ عندما تصبح الظروف صعبة.
وفي مثل هذه المراحل، لا بد أن يكون كل من يتولى مسؤولية عامة أمينًا مع نفسه قبل أن يطلب من الناس الثقة فيه.
أن يسأل نفسه، بعيدًا عن المجاملات والحسابات الشخصية:
هل أنا قادر فعلًا على إدارة هذه المرحلة؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة.
فليس كل من وصل إلى منصب هو بالضرورة الشخص الأنسب لكل مرحلة. وقد تكون لدى المسؤول خبرة مهمة، لكنها لا تكفي لطبيعة الأزمة الجديدة. وقد ينجح في ظروف معينة، ثم تأتي مرحلة تحتاج إلى أدوات مختلفة، ورؤية أوسع، وخبرة أكثر تخصصًا.
وهنا لا ينبغي أن يكون الاعتراف بذلك مشكلة.
المشكلة أن نعرف الحقيقة ونصر على تجاهلها.
فالمنصب العام ليس اختبارًا للكرامة الشخصية، ولا موقعًا يجب الدفاع عنه مهما كانت النتائج.
إنه مسؤولية.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا ليس: كيف أبقى؟
بل:
هل أنا أحقق ما جئت من أجله؟
وإذا كانت الإجابة لا، فعلينا أن نمتلك الشجاعة لمراجعة أنفسنا.
نحن بحاجة إلى أن نعيد النظر في مفهوم الاستقالة أيضًا. فالاستقالة ليست دائمًا هروبًا من المسؤولية، كما اعتدنا أن ننظر إليها.
أحيانًا تكون الاستقالة نفسها شكلًا من أشكال تحمل المسؤولية.
حين يدرك المسؤول أن المرحلة تحتاج إلى شخص أكثر خبرة، أو أوسع معرفة، أو أقدر على التعامل مع الأزمة، فإن إفساح المجال له ليس ضعفًا ولا هزيمة.
قد يكون ذلك هو القرار الأكثر وطنية.
البلد ما محتاج تمسّك بالمنصب؛ البلد محتاج تمسّك بالمصلحة العامة.
فالمسؤول الحقيقي لا يقيس نجاحه بطول بقائه على الكرسي، وإنما بما حققه وهو عليه.
وإذا كان هناك من هو أقدر على إدارة المرحلة، فما الذي يمنع من الاستعانة به؟
السودان لا يفتقر إلى الخبرات. لدينا اقتصاديون ومصرفيون وإداريون وأصحاب تجارب مهنية واسعة، داخل البلاد وخارجها. لكن وجود الخبرة وحده لا يكفي إذا لم تجد طريقها إلى مواقع القرار.
وفي مرحلة بهذا التعقيد، لا ينبغي أن تكون الأولوية للعلاقات أو الترضيات أو الحسابات الضيقة.
المرحلة لا تحتمل المجاملة.
فالاقتصاد لا يعرف المجاملات، والدولار لا يسأل عن الانتماءات، والسوق لا ينتظر حتى تنتهي حسابات الأشخاص.
نحتاج إلى الشخص الذي يفهم الأزمة ويعرف كيف يتعامل معها، لا من يكتفي بشرحها.
نحتاج إلى من يملك رؤية، ويعرف أدواته، ويستطيع اتخاذ القرار وتحمل نتائجه.
وما نحتاجه أكثر من أي وقت مضى هو أن نضع مصلحة السودان فوق الرغبة في البقاء في مواقع المسؤولية.
فمن ينجح، فليواصل.
ومن يخطئ، فليصحح.
ومن يملك حلولًا، فليقدمها.
ومن يجد أن غيره أقدر منه على هذه المرحلة، فليفسح له الطريق.
وما عيب إنو المسؤول يقول: في زول أقدر مني على المرحلة دي؟
العيب أن يعرف ذلك، ثم يصر على البقاء.
لقد صبر المواطن السوداني كثيرًا. صبر على الحرب، وعلى النزوح، وعلى فقدان العمل، وعلى ارتفاع الأسعار، وعلى تراجع قيمة دخله.
ولا يمكن أن تكون الإجابة الدائمة على كل ذلك: اصبروا أكثر.
فالصبر لا يمكن أن يكون سياسة اقتصادية.
والمواطن لا يستطيع أن يتحمل وحده نتائج أزمة لم يكن هو من صنعها.
الدولار ليس مجرد رقم يصعد.
إنه إنذار.
إنذار بأن الاقتصاد يحتاج إلى إدارة أكثر حزمًا، وأن السياسات تحتاج إلى مراجعة حقيقية، وأن الوقت لم يعد يحتمل المزيد من التجريب والتأجيل.
وجاء الوقت لأن ينظر كل مسؤول إلى موقعه باعتباره مهمة يجب أن تنجح، لا كرسيًا يجب أن يبقى عليه.
فإذا كان قادرًا، فليثبت ذلك بالعمل.
وإذا كانت لديه حلول، فليقدمها.
وإذا استنفد ما لديه، فلتكن لديه شجاعة الاعتراف.
فالاستقالة ليست عيبًا عندما تكون من أجل الوطن.
العيب أن يصبح المنصب أهم من المهمة، والكرسي أهم من المواطن، والبقاء أهم من إنقاذ البلد.
الدولار يجري…
والوقت يجري معه.
فهل تصبح القرارات أسرع من الأزمة؟
وده ….. الحاصل