تقرير أممي يضيّق هامش الإنكار: الدعم الخارجي يضع الإمارات أمام استحقاق المسؤولية عن حرب السودان بقلم:احمد اسماعيل حسن

تقرير أممي يضيّق هامش الإنكار: الدعم الخارجي يضع الإمارات أمام استحقاق المسؤولية عن حرب السودان
بقلم:احمد اسماعيل حسن
يشكل التقرير الأخير الصادر عن بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان التابعة للأمم المتحدة تطوراً بالغ الأهمية في مسار توثيق التدخلات الخارجية في الحرب في السودان و ليس فقط لأنه يعيد تسليط الضوء على مصادر التسليح والدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع، وإنما لأنه ينقل قضية الدعم الخارجي من دائرة الاتهامات السياسية والإعلامية إلى مستوى التحقيق الدولي القائم على الأدلة والوقائع.
التقرير، الذي صدر في 3 سبتمبر 2026 تحت عنوان «تغذية الصراع في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي»، خلص إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن شبكة عابرة للحدود وفرت لقوات الدعم السريع أسلحة وإمدادات لوجستية وتدريباً وأفراداً أجانب، كما أشار بصورة خاصة إلى أفراد وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها، وقال إنها لعبت دوراً مهماً في شبكات تجنيد وتمويل ونقل ونشر مقاتلين أجانب وتقديم دعم عسكري استفادت منه قوات الدعم السريع
وهنا تكمن أهمية التقرير؛ فهو لا يتحدث فقط عن وجود أسلحة في ميدان المعركة، بل يحاول رسم سلسلة الإمداد والدعم التي تجعل استمرار الحرب ممكناً.
من الاتهام السياسي إلى التوثيق الدولي
ظلت الحكومة السودانية وقوى سياسية ومنظمات حقوقية، منذ اندلاع الحرب، تتحدث عن الدعم الذي تتلقاه قوات الدعم السريع من أطراف خارجية، وعلى رأسها الإمارات.
غير أن التطور الجديد يتمثل في أن لجنة أممية مستقلة تقول إن لديها أساساً معقولاً للاعتقاد بوجود شبكات مرتبطة بالإمارات أسهمت في تقديم الدعم العسكري لقوات الدعم السريع.
كما يأتي التقرير في سياق تراكم أدلة وتحقيقات سابقة. فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 ما قالت إنه أدلة على دعم إماراتي لقوات الدعم السريع، بما في ذلك تسهيل تجنيد مقاتلين كولومبيين، وخلصت إلى أن هذا الدعم، إذا ثبتت مسؤوليته، يمكن أن يثير مسائل تتعلق بالمساعدة أو الإسهام في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وهذا التراكم مهم للغاية؛ لأن القضية لم تعد تعتمد على مصدر واحد أو رواية سياسية منفردة، وإنما أصبحت أمام سلسلة من التحقيقات الدولية والحقوقية التي تتقاطع في الحديث عن شبكات التسليح والتمويل والمقاتلين الأجانب.
الإمارات أمام اختبار دولي جديد
الإمارات تنفي بصورة متكررة تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وهو موقف ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار عند تناول القضية بصورة مهنية.
لكن أهمية التقرير الأممي أنه يضع هذه المسألة أمام آلية تحقيق دولية مستقلة، ويجعل السؤال أكثر تحديداً:
من أين جاءت الأسلحة والتقنيات والمقاتلون؟ ومن موّل ونقل ودرّب وسهّل وصولهم إلى مسرح العمليات؟
وتقول البعثة إن أفراداً وكيانات مرتبطة بالإمارات شاركوا في شبكات للتجنيد والتمويل والنقل والنشر وتقديم الدعم العسكري، بما استفادت منه قوات الدعم السريع.
وهذا لا يعني، من الناحية القانونية، أن التقرير حسم نهائياً مسؤولية الدولة الإماراتية عن كل جريمة ارتكبتها قوات الدعم السريع؛ فالفرق مهم بين إثبات تقديم الدعم وبين إثبات المسؤولية القانونية عن جريمة محددة. لكن التقرير يرفع بصورة كبيرة مستوى الجدية التي ستُبحث بها هذه المسألة مستقبلاً.
الحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً فقط
من أخطر ما يكشفه التقرير أن الحرب في السودان أصبحت، بصورة متزايدة، ساحة لتدخلات وشبكات عابرة للحدود.
فالبعثة تحدثت عن أسلحة وطائرات مسيّرة وتكنولوجيا عسكرية ومقاتلين أجانب وشبكات لوجستية، مشيرة إلى أن هذا الدعم الخارجي أدى إلى تعزيز القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة، وبالتالي زيادة القدرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى ضد أهداف مدنية.
وبحسب التقرير، أدت هجمات الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الأولى من عام 2026 إلى مقتل أكثر من ألف شخص، مع توثيق هجمات طالت مستشفيات وأسواقاً ومدارس ومواقع نزوح ومنشآت مدنية.
وهنا تظهر المعادلة الخطيرة:
السلاح الخارجي → زيادة القدرة القتالية → إطالة أمد الحرب → ارتفاع كلفة الحرب الإنسانية → تعقيد فرص السلام.
أهمية التقرير بالنسبة لقضية السودان
يمثل التقرير مكسباً مهماً للدبلوماسية السودانية في عدة مستويات.
أولاً: تعزيز ملف الأدلة
لطالما طالبت الخرطوم المجتمع الدولي بالنظر إلى الحرب ليس باعتبارها مجرد صراع داخلي بين طرفين، وإنما باعتبارها حرباً تتداخل فيها عوامل ودعم خارجي.
والتقرير يقدم مادة جديدة يمكن أن تستخدمها الحكومة السودانية في مخاطبة مجلس الأمن، ومجلس حقوق الإنسان، والاتحاد الأفريقي، والمحاكم والآليات الدولية المختصة.
ثانياً: إعادة تعريف مسؤولية المجتمع الدولي
إذا كانت الحرب تستمر بفعل تدفق الأسلحة والتمويل والمقاتلين من الخارج، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على مطالبة السودانيين وحدهم بوقف القتال.
وقف الحرب يبدأ أيضاً من وقف مصادر الحرب.
ولهذا دعت بعثة تقصي الحقائق إلى تعزيز تطبيق حظر الأسلحة، وتوسيع نطاقه ليشمل السودان بأكمله، بدلاً من اقتصاره على دارفور.
ثالثاً: تقوية المطالبة بالمحاسبة
أهم تحول سياسي وقانوني محتمل يتمثل في انتقال النقاش من سؤال:
«من يدعم الدعم السريع؟»
إلى سؤال أكثر تعقيداً:
«ما المسؤولية القانونية المترتبة على تقديم هذا الدعم إذا ثبت علم الجهة الداعمة باستخدامه في ارتكاب انتهاكات جسيمة؟»
وهذا سؤال بالغ الأهمية في القانون الدولي، خاصة أن المساعدة أو الإسهام في أفعال غير مشروعة دولياً قد تثير مسؤولية مستقلة عن مسؤولية مرتكب الجريمة الأصلي.
هل سيغير التقرير مسار الحرب؟
التقرير وحده لن يوقف الحرب، وهذه نقطة يجب التعامل معها بواقعية.
لكن تأثيره يمكن أن يكون سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً وتفاوضياً.
فكلما اتسعت دائرة التوثيق الدولي، أصبح من الصعب على الأطراف الخارجية الاستمرار في تقديم الدعم بعيداً عن التدقيق الدولي.
كما أن التقرير يأتي في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل الأمم المتحدة إلى تشديد العقوبات وتوسيع حظر السلاح. وكانت الولايات المتحدة قد دعت بالفعل في أغسطس 2026 إلى تعزيز العقوبات والضغط على أطراف الحرب لدفعها نحو التفاوض، مع التأكيد على أن الدعم المالي والعسكري الخارجي يمثل أحد محركات الصراع.
وبالتالي فإن التقرير قد يصبح جزءاً من تراكم سياسي وقانوني يمكن أن يقود مستقبلاً إلى عقوبات على أفراد وشركات وشبكات مرتبطة بتزويد أطراف الحرب بالسلاح.
العدالة للسودان لا تعني الانحياز لطرف في الحرب
وهنا ينبغي التأكيد على نقطة جوهرية:
إن المطالبة بكشف الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع ومحاسبة من يثبت تورطه لا تعني إعفاء أي طرف سوداني آخر من المسؤولية عن الانتهاكات التي ارتكبها.
فالتقرير الأممي نفسه تناول الانتهاكات والهجمات التي ارتكبتها أطراف مختلفة، وأشار إلى أدلة على استخدام أسلحة وطائرات مسيّرة أجنبية من جانب القوات المسلحة السودانية أيضاً، مع التأكيد على أن التحقيق في هذا الجانب لا يزال في مرحلة مبكرة.
وبذلك فإن العدالة الحقيقية لا تقوم على قاعدة «هذا طرفنا وهذا خصمنا»، وإنما على قاعدة:
كل من ارتكب جريمة يجب أن يحاسب، وكل من موّل أو سلّح أو سهّل ارتكاب الجرائم يجب أن يخضع للتحقيق والمساءلة وفق القانون.
الخلاصة: معركة السودان المقبلة هي معركة الحقيقة والعدالة
أهمية التقرير الأخير لا تكمن فقط في الاتهامات التي يتضمنها، وإنما في أنه يضع شبكات الدعم الخارجي للحرب تحت المجهر الدولي.
وبالنسبة للسودان، فإن المطلوب الآن هو تحويل هذا التقرير من وثيقة دولية إلى ملف دبلوماسي وقانوني متكامل، عبر جمع الأدلة، وتوثيق مسارات الأسلحة والتمويل، وتحديد الشركات والأفراد والوسطاء، وملاحقة المسؤوليات أمام المؤسسات الدولية المختصة.
فالحرب لا تستمر بالسلاح وحده، وإنما تستمر عندما يجد السلاح من يموّله، ومن ينقله، ومن يوفر له الغطاء السياسي واللوجستي.
ومن هنا فإن الرسالة الأهم التي يفرضها التقرير هي:
إذا كان المجتمع الدولي يريد سلاماً حقيقياً في السودان، فعليه ألا يكتفي بمطالبة السودانيين بوقف الحرب، بل عليه أن يلاحق أيضاً شبكات ومصادر تمويل وتسليح الحرب خارج الحدود.
وعندها فقط يمكن أن تتحول قضية السودان من مجرد أزمة إنسانية مفتوحة إلى قضية عدالة ومساءلة دولية تضع كل الأطراف الداخلية والخارجية أمام مسؤولياتها.