الحاصل شنو؟ عُدنا إلى الخرطوم… فهل عادت إلينا؟

بقلم: رشا أحمد البشير
عُدنا إلى الخرطوم.
جملة تبدو بسيطة حين تُقال، لكنها في وجدان من غادرها تحت وطأة الحرب تشبه فتح نافذة بعد عتمة طويلة.
عدنا ونحن نحمل مفاتيح قديمة لأبواب لا نعرف إن كانت ما تزال في أماكنها، وذاكرة مزدحمة بشوارع لم تعد كما تركناها، وأسماء أحياء صارت تختلط في الرأس بصور لا تشبه الحياة التي عرفناها.
عدنا إلى المكان الذي ظل حاضرًا فينا، حتى ونحن بعيدون عنه.
لكن…
هل عادت الخرطوم إلينا؟
السؤال ليس عن الخرطوم التي نراها من نافذة سيارة، ولا عن الطرق التي عبرناها بعد غياب، ولا عن البيوت التي ما زالت واقفة.
السؤال أعمق من ذلك.
السؤال: هل يستطيع الإنسان أن يستعيد حياته في المدينة التي استعاد الوصول إليها؟
فثمة فرق بين أن تعود إلى بيتك، وأن تشعر أنك عدت إلى بيتك.
فرق بين أن تعود الى مدينتك، وأن تجد فيها حياة تنتظرك.
وفرق أكبر بين أن تنتهي رحلة النزوح، وأن ينتهي الإحساس بأنك ما زلت نازحًا في داخلك.
الحرب لا تهدم الجدران وحدها.
إنها تعبث بإيقاع الحياة.
تجعل الأشياء التي كانت عادية تبدو كأنها امتيازات: أن تخرج مطمئنًا، أن تعمل، أن يذهب أطفالك إلى المدرسة، أن تخطط للأسبوع المقبل دون أن تضع احتمال الرحيل في آخر كل حساب.
ولهذا فإن عودة الناس إلى الخرطوم ليست خبرًا ينتهي بانتهاء سطره.
إنها مسؤولية تبدأ من اللحظة التي تطأ فيها قدم المواطن أرض المدينة من جديد.
فالذي عاد لا يبحث عن صورة للمدينة التي غادرها.
إنه يبحث عن حياته.
عن ذلك الإحساس البسيط الذي كان يملكه قبل الحرب دون أن ينتبه إلى قيمته: أن يكون للغد شكلٌ يمكن تخيله.
وهذه هي المسألة.
نحن لا نحتاج إلى أن نقنع الناس بأن الخرطوم عادت.
المدينة ستقول ذلك بنفسها.
ستقوله عندما يصبح البقاء فيها ممكنًا، لا بطولة.
عندما يصبح العمل جزءًا من الحياة، لا معركة يومية.
عندما يستطيع الأب أن يفكر في تعليم أبنائه، لا في كيفية عبور يوم آخر.
عندما يستعيد الناس علاقتهم بالمكان باعتباره وطنًا وحياة، لا باعتباره محطة وصلوا إليها بعد رحلة طويلة.
فالخرطوم لا تحتاج إلى أن تستعيد مبانيها فقط.
تحتاج إلى أن تستعيد إيقاعها.
أن تستعيد صباحاتها.
أن تستعيد أصوات الحياة في شوارعها.
أن يعود الناس إلى تفاصيلهم الصغيرة، ومواعيدهم العادية، وأسواقهم المزدحمة، وأحاديثهم التي لا يكون موضوعها الحرب كل مرة.
قد يبدو هذا الكلام بسيطًا.
لكنه ليس كذلك.
لأن عودة الحياة الطبيعية هي أصعب مراحل ما بعد الحرب.
الحرب تعرف كيف تهدم في أيام.
أما إعادة الثقة في الغد، فتحتاج إلى وقت.
والناس الذين عادوا لا ينبغي أن يُطلب منهم أن يعيشوا على الصبر وحده.
لقد صبروا عندما كان الصبر ضرورة.
اليوم يريدون أن يروا نتيجة هذا الصبر.
المواطن لا يحتاج فقط إلى وعد… يحتاج إلى موعد.
موعد يعرف فيه إلى أين تتجه مدينته، وكيف ستُستعاد مؤسساتها، وكيف ستعود الحياة إلى مسارها، ومتى يمكن أن يتوقف عن التعامل مع يومه باعتباره اختبارًا جديدًا.
فالعودة التي لا تفتح بابًا للمستقبل قد تتحول، من حيث لا نريد، إلى مجرد عودة جغرافية.
نكون قد رجعنا إلى الخرطوم، لكننا لم نرجع إلى حياتنا.
وهنا تكمن الخطورة.
أن نعتاد الخراب حتى يصبح مألوفًا.
أن نعتاد على أن تكون العودة مجرد وصول، لا بداية لحياة جديدة.
أن نختصر معنى العودة في أن يجد الإنسان طريقه إلى مدينته، ثم نتركه أمام السؤال الأصعب: وماذا بعد أن عاد؟
فالعودة لا تُقاس بالمسافة التي قطعها الناس حتى يصلوا إلى الخرطوم، وإنما بما ينتظرهم بعد الوصول.
أن يعود الإنسان إلى مدينته، ثم يظل معلّقًا بين الرغبة في الاستقرار والخوف من الغد، فهذه عودة ناقصة.
وأن يعود إلى بيته، لكنه لا يستطيع أن يستعيد إيقاع حياته، فالمكان يكون قد استعاد صاحبه، لكن صاحبه لم يستعد حياته بعد.
فالخرطوم التي نريدها ليست نسخة مستعادة من الخرطوم القديمة.
ربما آن الأوان لأن تكون الخرطوم القادمة أفضل من تلك التي غادرناها.
مدينة تتعلم من جراحها، لا مدينة تخفيها تحت طبقة جديدة من الطلاء.
مدينة تعيد بناء الإنسان قبل أن تنشغل بصورة المكان.
مدينة تجعل الاستقرار حقًا، لا حظًا.
وتجعل المستقبل مشروعًا، لا أمنية.
لأن الناس الذين عادوا ليسوا أرقامًا في إحصائية.
كل واحد منهم يحمل قصة.
بيتًا يريد أن يعيد بناءه.
عملًا يريد أن يستعيده.
طفلًا يريد أن يعود إلى مقعده.
أمًا تريد أن تنام دون أن تفكر في الرحيل.
وشابًا يريد أن يصدق، ولو مرة، أن مستقبله يمكن أن يكون هنا.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال:
كم عاد إلى الخرطوم؟
السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو:
كم سيبقى؟
فعدد العائدين يقيس حركة الناس.
أما عدد الذين يستقرون، فيقيس قدرة المدينة على استعادة الحياة.
والخرطوم اليوم أمام امتحان لا يشبه امتحان الحرب.
في الحرب كان السؤال: كيف ننجو؟
أما الآن فالسؤال:
كيف نعيش؟
وشتان بين السؤالين.
لقد عاد المواطن إلى الخرطوم، لا ليختبر قدرته على الصبر مرة أخرى، ولا ليكتشف كم تبقى من احتماله.
عاد لأنه يريد أن يبدأ حياته من جديد.
وهذا هو المعنى الحقيقي للعودة.
أن يجد الإنسان، بعد كل ما فقده، سببًا واحدًا يجعله يقول:
هذه مدينتي… وهنا سأبقى.
فالعودة تبدأ بالوصول…
لكنها لا تكتمل إلا بالاستقرار.
عُدنا إلى الخرطوم… فهل عادت إلينا؟
وده…الحاصل
