
لمن يهمه الأمر
بقلم: إدريس هشابه
ملتقى بلا فكرة
ليس السؤال لماذا اجتمع الإعلاميون في الخرطوم؛ فاللقاء في ذاته ليس جريمة، بل ربما كان ضرورة. السؤال الحقيقي: من دعا؟ ولماذا الآن؟ وما الذي أُريد لهذا الملتقى أن يضيفه إلى إعلام يخوض حرباً لم تنتهِ بعد؟
وحين تغيب وزارة الإعلام، وتغيب المؤسسات الإعلامية الحكومية عن المشهد، يصبح السؤال أكثر مشروعية: هل كان ما جرى ملتقى مهنياً له مشروع وأهداف، أم لقاء علاقات عامة جرى تغليفه بعنوان الإعلام؟ ومن يملك الإجابة عن ذلك سوى الذين نظموا الملتقى؟
ثم ماذا عن المواقف التي مرّ بها بعض المشاركين أنفسهم؟ ألم يكن بعضهم، في مرحلة من المراحل، يرى ضرورة الحوار مع المليشيا المتمردة بحجة أنها أصبحت مسيطرة ومنتشرة؟ ألم يرفض بعضهم حتى مجرد الظهور في مساحة إعلامية لدعم القوات المسلحة حين كانت الرؤية لا تزال ملتبسة؟ لا نقول ذلك للمحاسبة على المواقف، فالمواقف تتغير بتغير الوقائع، ولكن ألا يستحق هذا التحول أن يكون جزءاً من حوار إعلامي جاد حول مسؤولية الإعلام في زمن الحرب؟
ثم نأتي إلى فكرة «أين الكيماوي؟». فقد ظهر بعض المشاركين في الملتقى في مواقع مختلفة، وسجلوا فيديوهات يتساءلون فيها: «أين الكيماوي؟» في محاولة لإثبات أن القوات المسلحة لم تستخدم أسلحة كيميائية. : هل كان هذا هو الأسلوب الأكثر إقناعاً وتأثيراً لإدارة قضية بهذا الحجم؟ وهل تكفي جولة في بعض المواقع وتصوير مقطع قصير لتقديم إجابة مقنعة للرأي العام العالمي ومحو الصورة الذهنية السالبة التي تسعى لترسخيها وسائل الإعلام العالمية التي تعزف على وتر السلاخ الكيميائي لدمغ الجيش السوداني بفرية جديدة بعد أن عجزت المليشيا وغيرها بالسلاح والمسيرات والأصوات المأجورة من ساسة الغفله لاعقي موائد بقايا المنظمات المشبوهة وحكام دويلة الشر؟
كان يمكن، ببساطة، التفكير في معالجة أكثر مهنية وابتكاراً: معلومات موثقة، خبراء، أدلة، تحقيقات ميدانية، صور وخرائط وشهادات، أو حتى مادة إعلامية متكاملة تضع الادعاءات أمام الحقائق. فالإعلام لا ينتصر على الشائعة بمجرد السؤال عنها، وإنما بتقديم ما يجعل الإجابة أقوى من الشائعة نفسها. كما أن حرب الإعلام والمعلومات أشد ضراوة عن السلاح ويتطلب أصحاب رؤية يفكرون خارج الصندوق ولهم القدرة على التأثير على متخذي القرارات الدولية.
والمفارقة أن نموذجاً آخر كان أمام الجميع. فالشاب أحمد صبري، حين ظهر في بعض المناطق عقب تحريرها، لم يحتج إلى أن يسأل الناس: «أين كذا؟»؛ بل ترك الصورة والمكان والناس والحدث تتحدث. كانت فيديوهاته، ببساطتها وحضورها المباشر، أكثر قدرة على طمأنة الناس وإرسال رسائل إيجابية إليهم، وإقناعهم بأن الحياة عادت إلى تلك المناطق بعد أن كانت الاخبار عنها محكومة بالخوف والشائعات.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر :الإعلام الجديد لم يعد ينتظر منصة تقليدية ولا قاعات مؤتمرات ولا ملتقى إعلاميا كي يصل إلى الناس. لكن من ينظمون هذه الملتقيات يحتاجون هم أنفسهم إلى تطوير مفاهيمهم عن الإعلام الجديد ، وأن يدركوا أن قيمة الفكرة اليوم في قدرتها على الوصول والتأثير والاقناع، لافي المشاركين وكثافة الحضور والصور.
المشكلة إذن ليست في إقامة ملتقى للاعلاميين وإنما في مفهوم الملتقى نفسه؛ هل هو تجمع للوجوه ، أم ورشة لصناعة الأفكار ، هل هو مساحة للعلاقات العامة، أم منصة للمساءلة والنقد وإقتراح الحلول.
ثم ماذا عن التوصيات؟ أين هي؟ ومن ينفذها؟ وماهي آليات التنفيذ؟ وما السقف الزمني ومن يتابع ماتم الاتفاق عليه؟ وهل ستخرج التوصيات من قاعة الملتقى أم ستبقى مثل كثير من التوصيات : حااااضرة في الأوراق غائبة في الواقع؟
الحرب لم تنتهي والمرحلة المقبلة لن تكون أقل حاجة إلى الإعلام من سابقتها بل ربما ستكون أشد إحتياجا إليه. هناك معركة وعي ومعركة إعمار مادمرته الحرب، ومعركة إستعادة الناس الثقة في مؤسساتهم.
ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى بعد إنفضاض الملتقى ليس :كم إعلاميا حضر؟ وكم صورة التقطت؟ وإنما ماذا تغير بعدها.
والفارق كبيييير بين أن نصنع حدثا للإعلاميين، وأن نصنع إعلاما لحدث تاريخي…
