الأخبار
أخر الأخبار

دينكا نقوك ابيي.. سودانيون بشهادة الدولة جلال الجاك ادول منبر الكلمة

دينكا نقوك ابيي.. سودانيون بشهادة الدولة

 

جلال الجاك ادول

 

منبر الكلمة

 

 

في القضايا الوطنية المعقدة، لا تأتي أهمية بعض التصريحات من الكلمات التي قيلت فيها فقط، وإنما من الرسائل التي تحملها، ومن قدرتها على إزالة الالتباس حول قضايا ظلت لسنوات محاطة بالكثير من التجاذبات السياسية والإعلامية. ومن هذا المنطلق، تابعت باهتمام الحلقة التي بثتها قناة السودان من برنامج ساهرون، والتي استضافت سعادة اللواء سامي الضي، نائب رئيس لجنة تفريغ العاصمة من الأجانب واللاجئين.

وقد استوقفني بصورة خاصة رده على سؤال مقدمة البرنامج بشأن مواطني دينكا نقوك، وتوضيحه للفارق بين الأجانب واللاجئين وبين المواطنين السودانيين، وتأكيده أن الدولة تتعامل مع أبناء دينكا نقوك باعتبارهم سودانيين أصيلين، وأن لهم الحق في التمتع بكامل حقوق المواطنة.

وهنا أجد أن من الإنصاف الإشادة بموقف اللواء سامي الضي، ليس من باب المجاملة الشخصية، وإنما تقديراً لموقف واضح في قضية شديدة الحساسية والتعقيد. فاللواء سامي الضي من القلائل الذين أظهروا، في مواقفهم المتعلقة بملف أبيي، قدراً واضحاً من الإدراك لطبيعة القضية وتشابكاتها السياسية والاجتماعية والقانونية، وهي تعقيدات لا يمكن التعامل معها بمنطق التبسيط أو من خلال وضع أبيي وأهلها في خانة واحدة مع قضايا الهجرة واللجوء والوجود الأجنبي.

وهذه نقطة جوهرية، لأن النقاش حول الوضع النهائي لأبيي، وما يرتبط به من اتفاقيات وترتيبات سياسية وأمنية، شيء، وحقوق الإنسان الذي ينتمي إلى أبيي كمواطن سوداني شيء آخر. ولا ينبغي أن تصبح تعقيدات الملف السياسي سبباً في خلق تعقيدات إضافية أمام المواطن في استخراج وثيقته الثبوتية أو الحصول على الرقم الوطني أو الوصول إلى الخدمات التي يتمتع بها بقية المواطنين.

هذه ليست مسألة سياسية فحسب، وإنما مسألة تتعلق بعلاقة الدولة بمواطنيها.

والتاريخ القريب يؤكد أن موضوع الرقم الوطني لمواطني دينكا نقوك كان حاضراً في أجندة الدولة السودانية منذ سنوات. فقد سبق أن أُعلن عن إصدار أرقام وطنية لمواطنين من دينكا نقوك، كما جرى الحديث عن توسيع مراكز استخراج الوثائق لتشمل أبناء أبيي الموجودين في عدد من الولايات. كما صدرت مواقف رسمية سابقة تؤكد سودانيتهم وحقهم في التمتع بالحقوق والخدمات أسوة بغيرهم من المواطنين.

إذن، فإن حديث اللواء سامي الضي لا يأتي في فراغ، بل يلامس مبدأ سبق أن ظهر في مواقف وإجراءات رسمية سودانية على مدى سنوات، غير أن أهمية الحديث اليوم تكمن في الحاجة إلى إعادة تثبيت هذا المبدأ بوضوح، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو ماذا بعد الاعتراف؟

أن تقول الدولة إن مواطني دينكا نقوك سودانيون أصيلون هو موقف مهم، لكنه يصبح أكثر أهمية عندما يتحول إلى إجراءات مؤسسية واضحة ومستقرة. فالمواطن لا يعيش على التصريحات، وإنما يعيش على ما تقدمه له مؤسسات الدولة من وثائق وخدمات وحماية قانونية.

وهنا تبرز قضية الرقم الوطني والسجل المدني باعتبارها واحدة من أهم الملفات التي تحتاج إلى معالجة واضحة. فالرقم الوطني ليس مجرد بطاقة تعريف إنه المفتاح الذي يفتح أمام المواطن أبواباً عديدة تتعلق بالتعليم والعمل والخدمات والمعاملات الرسمية والحركة والمشاركة في الحياة العامة.

وقد واجهت إجراءات استخراج الرقم الوطني لمواطني دينكا نقوك، في مراحل سابقة، عراقيل وتعقيدات إدارية، وهو ما يؤكد أن القضية تحتاج إلى معالجة مؤسسية لا تعتمد على مبادرات مؤقتة أو لجان تتغير بتغير الظروف.

ومن هنا، فإن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من حديث اللواء سامي الضي هي أن الاعتراف بالمواطنة يجب أن يكون مدخلاً لإزالة العقبات، لا مجرد موقف إعلامي.

أبيي ليست منطقة عادية في الذاكرة السياسية السودانية. إنها منطقة ارتبط اسمها لعقود بالنزاع بين السودان وجنوب السودان، وبترتيبات سياسية وأمنية خاصة، وبقضية لم يُحسم وضعها النهائي بصورة متفق عليها بين الطرفين. لكن كل هذه التعقيدات لا ينبغي أن تجعل المواطن الذي ينتمي إلى أبيي يعيش حالة دائمة من عدم اليقين بشأن هويته القانونية.

بل على العكس، كلما زادت تعقيدات القضية السياسية، احتاجت الدولة إلى مزيد من الوضوح في الملفات المدنية والإنسانية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية حديث اللواء سامي الضي. فعندما يطرح المسؤول قضية دينكا نقوك داخل سياق حملة تستهدف تنظيم وجود الأجانب واللاجئين، ثم يوضح أن هناك مواطنين سودانيين أصيلين من دينكا نقوك، فإن هذا التوضيح يستحق التوقف عنده، لأنه يضع حداً لخلط خطير بين المواطن السوداني والأجنبي واللاجئ.

وهذا التمييز ليس ترفاً إدارياً، وإنما ضرورة لحماية حقوق المواطنين.

في ظل الظروف التي يعيشها السودان اليوم، أصبحت الدولة أمام تحديات أمنية وإنسانية وإدارية غير مسبوقة. ومن الطبيعي أن تعمل المؤسسات على تنظيم الوجود الأجنبي ومراجعة أوضاع اللاجئين والمقيمين بصورة غير قانونية، لكن نجاح هذه الإجراءات لا يقاس فقط بعدد الأجانب الذين جرى حصرهم أو ترحيلهم، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على عدم المساس بحقوق مواطنيها أثناء تنفيذ تلك الإجراءات.

وهنا يجب أن تكون القاعدة واضحة لا يجوز أن يتحول تنظيم الوجود الأجنبي إلى سبب في التشكيك في مواطنة السوداني.

ومواطنو دينكا نقوك، مثل غيرهم من المواطنين السودانيين الذين تنطبق عليهم شروط المواطنة، ينبغي أن تكون حقوقهم محفوظة ومعلومة وميسرة أمام مؤسسات الدولة.

ربما يكون الوقت مناسباً لتحويل هذا النقاش إلى خطوات عملية، تبدأ بوضع معالجة مؤسسية واضحة لملف الوثائق والرقم الوطني لمواطني دينكا نقوك، بعيداً عن الحلول المؤقتة، وتوحيد الإجراءات والمعايير التي تطبق عليهم في مختلف الولايات، والتأكيد على أن خصوصية أبيي السياسية لا تعني وضع أهلها في منطقة رمادية من حيث المواطنة، إلى جانب وجود جهة مؤسسية واضحة يمكن للمواطن الرجوع إليها عندما يواجه مشكلة في إثبات هويته أو الحصول على الوثائق الرسمية.

فالحق الذي يحتاج المواطن إلى سنوات من المراجعات لإثباته يفقد جزءاً كبيراً من قيمته العملية.

ومن هنا أعود إلى حديث اللواء سامي الضي. إن الإشادة بموقفه لا تعني أن المشكلة انتهت، ولا أن تصريحاً واحداً يمكن أن يحل تعقيدات تراكمت على مدى سنوات، لكنها تعني أن الكلمة الرسمية الصحيحة في الوقت الصحيح لها قيمة كبيرة، خصوصاً عندما تتعلق بهوية المواطن وحقوقه.

والأهم أن اللواء سامي الضي، في حديثه عن دينكا نقوك، قدم نموذجاً لما نحتاجه في التعامل مع ملف أبيي الفهم قبل الحكم، والتمييز بين القضايا، وعدم اختزال المنطقة وأهلها في عنوان سياسي واحد.

وهذا الفهم مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى.

فأبيي ليست مجرد ملف تفاوضي بين حكومتين، وليست مجرد قضية حدود، وليست مجرد عنوان في البيانات السياسية. وراء كل ذلك هناك مواطنون لهم أسماء وأسر وحياة يومية وحقوق، ومن حق هؤلاء المواطنين أن يعرفوا موقعهم القانوني بوضوح، وأن تتعامل معهم مؤسسات دولتهم على هذا الأساس.

إن تأكيد سودانية مواطني دينكا نقوك ليس منّة من أحد، وإنما هو تأكيد لحق المواطنة وما يترتب عليه من حقوق وواجبات. وإذا كان حديث اللواء سامي الضي قد أكد هذا المبدأ بوضوح، فإن الخطوة التالية ينبغي أن تكون تحويل هذا الموقف إلى سياسة مؤسسية وإجراءات عملية.

فالاعتراف بالمواطن خطوة أولى، أما حماية حقوقه فهي الاختبار الحقيقي.

وإذا كانت الدولة تقول إن مواطني دينكا نقوك سودانيون أصيلون ولهم كامل حقوق المواطنة، فإن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحاً أمام مؤسساتها هو متى تصبح هذه الحقيقة المعلنة ممارسة يومية يلمسها كل مواطن من أبناء أبيي في الوثيقة، والسجل المدني، والخدمة، والعمل، والتعليم، وسائر حقوقه كمواطن سوداني؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي موقف رسمي، وذلك أيضاً هو الطريق إلى معالجة واحدة من أكثر قضايا أبيي حساسية: أن تبقى قضية المنطقة سياسية حتى تجد طريقها إلى الحل، لكن ألا تبقى مواطنة أهلها معلقة بانتظار ذلك الحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى