
د. أسامة الفاتح العمري في حوار صحفي
*الحقوق والواجبات.. العقد المفقود الذي أسقط معاش الناس*
*حوار: الأزمة الراهنة – بين جشع الأسواق وعجز الدولة*
ليست أزمة السودان أزمة خبز في فرن، ولا وقودٍ في طرمبة، هذه هي الأعراض. المرض الحقيقي أعمق من ذلك بكثير، إنه مرض العقد المكسور.
عقد كان يجب أن يُكتب بماء الثقة بين المواطن والدولة، فكُتب بحبر الخوف. عقدٌ يقول إن المواطن شريك لا متسول، وإن الحكومة خادم لا سيد، وإن السلطة مسؤولية تثقل الكاهل لا امتياز يزين الأكتاف و
عندما اختل هذا العقد، اختل كل شيء اختل السوق واشتعلت الأسعار، واختلت الطرمبة فانقطع الوقود، واختل التواصل مع العالم فأصبحنا جزيرة معزولة تشكو ولا يُسمع أنينها
وفي حواره الراهن يضع يده على الجرح، ويقرأ لنا بنود هذا العقد المفقود
حوار – فائز عبدالله
*المحور الأول: أزمة المعاش.. هل هي أزمة اقتصاد أم أزمة عقد؟*
*س: الناس تقول السوق طار، الحكومة تقول إصلاح اقتصادي، الحقيقة وين؟*
*ج:* الحقيقة أننا نطالب المواطن بالواجبات قبل أن نعطيه الحقوق. نطلب منه أن يصبر على رفع الدعم، وأن يدفع سعر الوقود العالمي، بينما راتبه محلي، وخدماته منعدمة هذه ليست معادلة اقتصادية، هذه معادلة ظالمة
الحقوق ليست منحة من الحكومة، والواجبات ليست وسيلة لفرض الطاعة. عندما تطلب من المواطن أن يحترم القانون، يجب أن تحترمه أنت أولاً بأن توفر له أبسط مقومات الحياة الكريمة.
*المحور الثاني: المواطن والحكومة.. من يخدم من؟*
*س: هنالك شعور بأن الدولة أصبحت تسيطر على المواطن بدلاً من خدمته؟*
*ج:* وهذا هو التشخيص الدقيق عندما تختل معادلة الحقوق والواجبات، تتحول الدولة من خدمة المواطن إلى السيطرة عليه، ويتحول المواطن من شريك إلى متلقٍ، وتصبح العلاقة علاقة خوف أو تبعية بدلاً من المسؤولية المتبادلة
الحكومة ليست الدولة، والسلطة ليست الوطن. الحكومة إدارة مؤقتة للشأن العام، مهمتها حماية المواطن وحفظ مصالح الدولة. لا يمكن أن نبني دولة قوية بمواطن ضعيف الحقوق.
المحور الثالث علاقتنا الخارجية
*س: علاقتنا بالإقليم والعالم مضطربة، هل هذا يؤثر على أسعارنا الداخلية؟
ج: بالتأكيد. السودان ليس جزيرة معزولة. أحد أوجه أزمتنا هو عدم القدرة على التواصل الفاعل والواضح مع محيطنا الإقليمي والعالمي وشرح قضايانا وتحديد مصالحنا.
العالم يحتاج أن يفهم السودان، والسودان يحتاج أن يفهم العالم. التواصل لا يعني التنازل عن السيادة، كما أن السيادة لا تعني الانغلاق. عندما نفشل في بناء الثقة مع العالم، ترتفع تكلفة استيرادنا، وتتعثر صادراتنا، ويدفع المواطن الثمن في النهاية.
المحور الرابع: ما الحل؟*
س: ما هو المخرج من هذه الدائرة المغلقة؟
*ج:* الدولة التي لا تعرف كيف تنظم علاقتها بمواطنيها، يصعب عليها أن تنظم علاقتها بالعالم.
والتغيير يبدأ بك، لكنه لا ينجح إلا بنا جميعاً.
الحل ليس في تغيير الحكومات وحده، الحل في إصلاح العقد الثلاثة؟
اولا”على الدولة أن تضمن حقوق المواطن قبل أن تطالب بواجباته.. حق العيش الكريم، حق الدواء، حق التنقل.
ثانياالمواطن أن يدرك أن المواطنة حقوق ومسؤولية ومشاركة يحترم القانون، يعمل وينتج، يحافظ على المال العام، ويرفض الفساد وثالثا واخيرا على الجميع أن نفهم أن السودان، كما له حقوق في محيطه، عليه واجبات ومسؤولية مشتركة لبناء الاستقرار والسلام لا تنتظر أن يبدأ التغيير من مكان آخر. فالحقوق والواجبات هي العقد الذي يربط الإنسان بوطنه، والحكومة بشعبها، والدولة بمواطنيها، والسودان بالعالم.
رسالة اخيرة؟
إذا أردنا أن تنخفض الأسعار حقاً، علينا أولاً أن نرفع قيمة الإنسان السوداني. فالسودان لا يتغير بتغيير الحكومات وحده؛ يتغير عندما يتغير الإنسان، وتتغير علاقته بالدولة.
