مقالات الرأي
أخر الأخبار

بدون فواصل بقلم: رشا أحمد البشير

بدون فواصل

بقلم: رشا أحمد البشير

 

هل نحن أمام حكومة تحتاج إلى وقت… أم مرحلة تحتاج إلى حكومة جديدة؟

الحكومات لا تُقاس بالنوايا، ولا بعدد ما تعلنه من خطط، وإنما بما تتركه من نتائج. ومن يتولى إدارة الدولة لا يُسأل فقط عمّا أراد أن يفعل، بل عمّا استطاع أن ينجزه بالفعل.

لقد استهلكنا الحرب كثيرًا في تفسير تعثر الاقتصاد، وتعطل المؤسسات، وتراجع الخدمات، وارتفاع الأسعار، وضيق المعيشة، وتأخر القرارات. نعم، الحرب تركت بلدًا مثقلًا، وأحدثت من الخراب ما يكفي لتفسير كثير من الاختلالات، لكنها لا يمكن أن تصبح تفسيرًا دائمًا لكل إخفاق، ولا مبررًا مفتوحًا لتأجيل المعالجة.

كانت أمام الحكومة مساحة لإدارة الممكن، وترتيب الأولويات، وتوجيه موارد الدولة، واتخاذ القرار في وقته، وتحمل مسؤوليته عندما لا تتحقق النتائج. تلك هي مسؤولية الحكم في أصعب الظروف. أما أن تتحول كل مشكلة إلى تفسير، وكل تأخير إلى انتظار، وكل إخفاق إلى مبرر، فذلك يعني أن المشكلة لم تعد في صعوبة المرحلة وحدها، وإنما في طريقة إدارتها أيضًا.

والتصريحات الأخيرة عن زيادة الأجور ليست بعيدة عن هذا المشهد فزيادة الأجور قد تخفف جانبًا من العبء على العاملين، لكنها لا تحل الأزمة الاقتصادية بمجرد زيادة الرقم في كشف المرتبات. الراتب لا تُقاس قيمته بما هو مكتوب على الورق، وإنما بما يستطيع شراءه في السوق.

لا أحد يعترض على تحسين أجور العاملين، لكنها ليست سياسة اقتصادية مكتملة. فالمعالجة تبدأ من حماية قيمة الدخل، وتحريك الإنتاج، وضبط السوق، واستعادة الثقة في العملة.

المواطن لا يعيش على الرقم المعلن، وإنما على القوة الشرائية التي يحتفظ بها.

وهنا يظهر الفرق بين قرار يخفف أثر الأزمة، وسياسة تعالج أصلها؛ وبين تحسين مؤقت للدخل، واقتصاد قادر على حماية هذا الدخل من التآكل.

لقد سمعنا كثيرًا عن الخطط والحزم والترتيبات واللجان، لكن الدولة لا تُقاس بما يقال في المؤتمرات والاجتماعات، بل بما يحدث في السوق والمؤسسات، وفي قيمة العملة، وفي حركة الإنتاج. كثرة الاجتماعات ليست إنجازًا، وكثرة البيانات ليست تحولًا، وتعدد الخطط لا يعني أن شيئًا تغير.

النتيجة وحدها هي التي تمنح العمل العام قيمته. لذلك ينبغي أن يُقاس أداء الحكومة بما تغير فعلًا في حياة الناس، وفي أداء مؤسسات الدولة، وفي قدرة الاقتصاد على استعادة عافيته.

والفجوة بين ما يُعلن وما يتحقق لم تعد تفصيلًا يمكن تجاوزه بمزيد من البيانات.

لقد طال الوقت، ومضيّه ليس إنجازًا في حد ذاته. فالوقت الذي لا ينتج تحولًا يتحول إلى تكلفة إضافية على الدولة والمواطن.

فالمرحلة تغيرت و متطلبات الصمود أثناء الحرب ليست هي متطلبات إعادة بناء الدولة والاقتصاد والمؤسسات. وكل مرحلة تحتاج إلى أدوات وأولويات وقرارات تناسبها. وعندما تتغير المهمة، يصبح تغيير الأدوات جزءًا من مسؤولية الدولة.

وهنا لابد أن نقول بوضوح

هذه الحكومة استنفدت قدرتها على إدارة المرحلة

وما عجزت عن تحقيقه خلال الفترة الماضية لن يتحقق تلقائيًا بمجرد إطالة أمدها. فاستمرار النهج نفسه لا يصنع نتيجة مختلفة، والسودان لا يملك رفاهية انتظار طويل لا يصاحبه تحول حقيقي.

فالحكومة ليست غاية في حد ذاتها، والمنصب العام ليس امتيازًا يُحافظ عليه مهما كانت النتائج، وإنما مسؤولية تُقاس بالقدرة على الإنجاز.

وإذا لم تعد الحكومة قادرة على إنجاز ما تتطلبه المرحلة، فإن تغييرها يصبح مسؤولية تفرضها مصلحة الدولة، ويفتح المجال أمام قيادة جديدة بأدوات جديدة لتجاوز ما عجزت عنه الإدارة القائمة.

فالحكومات تتغير، أما الدولة فتبقى.

والسودان أكبر من حكومة.

وأكبر من وزير.

وأكبر من أن يتوقف مستقبله عند حدود الأشخاص الذين يديرونه.

فالوقت الذي تحتاجه الحكومة ليس ملكًا لها وحدها.

إنه وقت دولة

وعمر مواطن

وفرصة وطن.

فالسؤال في النهاية ليس: كم تحتاج الحكومة من الوقت؟

وإنما:

هل نمنح الحكومة وقتًا إضافيًا… أم نبدأ مرحلةً جديدة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى