حين تُختبر الديمقراطية في أول امتحان: ندوة واشنطن تضع «صمود» أمام اختبار حرية الرأي بقلم احمد اسماعيل حسن

حين تُختبر الديمقراطية في أول امتحان: ندوة واشنطن تضع «صمود» أمام اختبار حرية الرأي
بقلم احمد اسماعيل حسن
لم تكن ندوة تحالف «صمود» التي انعقدت في العاصمة الأمريكية واشنطن تحت عنوان «السودان إلى أين؟ رؤية قوى إعلان المبادئ للسلام والتحول المدني» مجرد فعالية سياسية عابرة، بل تحولت إلى واقعة أثارت جدلاً واسعاً بعد أن أظهرت مقاطع فيديو متداولة حدوث اشتباك واعتداء جسدي على شاب سوداني عقب مداخلة انتقد فيها التحالف وردد هتاف «جيش واحد.. شعب واحد».
وبحسب تقارير إعلامية متعددة، شهدت الندوة، التي شارك فيها رئيس التحالف عبد الله حمدوك إلى جانب عدد من قياداته، توتراً عقب مداخلة الشاب، قبل أن يتدخل بعض الموجودين لإنزاله من المنصة وسحب الميكروفون منه، ثم تطور الأمر إلى تدافع واشتباك بالأيدي داخل القاعة.
وإذا كان مضمون المداخلة قابلاً للنقاش السياسي، فإن الاعتداء الجسدي – إن أثبتته التحقيقات والمسارات القانونية – لا يمكن أن يكون وسيلة مقبولة للرد على الرأي المخالف، ولا سيما في فعالية تحمل عنواناً يتحدث عن السلام والتحول المدني والديمقراطية.
الديمقراطية تبدأ من قبول المختلف
المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن الواقعة حدثت في الولايات المتحدة، وفي فعالية سياسية تبحث – بحسب عنوانها – عن مستقبل السلام والتحول الديمقراطي في السودان.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
كيف يمكن لمن ينادي بالديمقراطية في السودان أن يتعامل مع الرأي المختلف بالعنف داخل قاعة يفترض أنها مخصصة للحوار؟
فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، وليست شعارات ترفع في المؤتمرات والندوات؛ إنها قبل ذلك ثقافة تقبل الاختلاف، وحق الخصم السياسي في التعبير، والاحتكام إلى الحجة بدلاً من اليد.
وحتى إذا كان المتحدث قد استخدم خطاباً لا يتفق معه منظمو الندوة أو بعض الحاضرين، فإن الرد الديمقراطي عليه يكون بالمناقشة والتفنيد أو إنهاء مداخلته وفق قواعد معلنة، وليس بالاعتداء عليه.
من حق الشاب أن يُسمع صوته
وتشير التقارير المنشورة إلى أن الشاب وجه انتقادات للتحالف وللمواقف السياسية المرتبطة بالحرب، كما تحدث عن دور الإمارات في الأزمة السودانية، قبل أن تتصاعد حدة التوتر.
ومن المهم هنا عدم تحويل الواقعة إلى محاكمة للرأي الذي طرحه الشاب؛ فجوهر القضية ليس الاتفاق معه أو الاختلاف، وإنما حقه في التعبير السلمي وحق الآخرين في الرد عليه بالحجة.
فإذا كان شعار «جيش واحد.. شعب واحد» يزعج بعض الحاضرين، فهذا لا يجعله جريمة، كما أن انتقاد «صمود» أو قياداته لا يمنح أي شخص حق الاعتداء على صاحبه.
المسؤولية تبدأ بالتحقيق والمساءلة
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الواقعة هو أن تتحول إلى مجرد مقطع فيديو عابر ثم تطوى صفحته دون تحقيق واضح.
المطلوب هو كشف ملابسات الحادثة، وتحديد هوية الأشخاص الذين ظهروا وهم يعتدون على الشاب، والاستماع إلى شهادات الحاضرين، وحفظ تسجيلات الندوة، ثم ترك الأمر للجهات القانونية المختصة لتحديد المسؤوليات وفق القانون الأمريكي.
ولا ينبغي في المقابل تحميل جميع قيادات «صمود» المسؤولية الجنائية بصورة جماعية ما لم تثبت مشاركتهم أو تحريضهم أو مسؤوليتهم القانونية عن الواقعة.
لكن من حق الرأي العام أيضاً أن يطالب قيادة التحالف بموقف معلن وصريح: هل تدين الاعتداء؟ هل تعتذر للمتضرر؟ وهل ستتعاون مع أي تحقيق قانوني في الحادثة؟
التضامن مع الضحية.. دفاع عن حق الاختلاف
إن التضامن مع الشاب المعتدى عليه لا يعني بالضرورة تبني مواقفه السياسية، كما أن المطالبة برد اعتباره لا تعني الاصطفاف مع طرف سياسي ضد آخر.
إنها ببساطة دفاع عن مبدأ أوسع:
لا ديمقراطية من دون حرية رأي، ولا سلام من دون قبول الآخر، ولا تحول مدني حقيقي إذا كان الخلاف السياسي ينتهي بالعنف.
ومن هنا، فإن القوى السياسية والمدنية والإعلامية والحقوقية السودانية مطالبة بالتضامن مع أي شخص يتعرض للعنف بسبب رأيه، بصرف النظر عن موقعه السياسي، والمطالبة بإتاحة الحماية القانونية له وتمكينه من حقوقه كاملة.
كما أن من حقه، إذا ثبت تعرضه لاعتداء، أن يلجأ إلى القضاء الأمريكي للمطالبة بحقه والتعويض ورد الاعتبار، وفق الإجراءات والقوانين المعمول بها في الولايات المتحدة.
واشنطن.. المكان الذي يضاعف دلالة الحدث
قد يكون المكان أكثر دلالة من الواقعة نفسها.
فالولايات المتحدة ارتبطت تاريخياً في الخطاب السياسي العالمي بمفاهيم حرية التعبير وحقوق الإنسان وسيادة القانون. ولذلك فإن وقوع اشتباك أو اعتداء داخل ندوة سياسية سودانية تقام على أراضيها، وتناقش الديمقراطية والسلام، يضع المنظمين أمام مسؤولية مضاعفة في إظهار احترامهم لقواعد الحوار التي ينادون بها.
والدرس الذي ينبغي أن يستخلصه السودانيون من هذه الواقعة ليس الانتصار لطرف سياسي أو التشفي في طرف آخر، وإنما التأكيد على أن الديمقراطية تُختبر عندما تسمع صوتاً لا يعجبك.
فمن السهل أن تتحدث عن الديمقراطية عندما يصفق لك الجمهور، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يقف شخص في القاعة ليقول كلاماً يخالفك.
عندها يكون أمامك طريقان: الحجة أو العنف.
الأول يبني دولة، والثاني يهدمها.
ولذلك فإن حادثة واشنطن، أياً كانت نتائج التحقيق فيها، ينبغي أن تكون مناسبة لمراجعة ثقافة الحوار السياسي السوداني برمتها، والتأكيد أن السودان الذي ينشده الجميع لا يمكن أن يُبنى بإسكات المختلف، وإنما بإتاحة المجال له ليقول رأيه، ثم الاحتكام إلى القانون والحجة وصندوق الاقتراع.
فالسلام الذي لا يتسع لصوت مخالف، يظل سلاماً ناقصاً، والديمقراطية التي تخاف من النقد لم تبلغ بعد امتحانها الحقيقي.
