
عمق المشهد…
عصام حسن علي يكتب
لا توجد أزمة وقود!
«لا توجد أزمة وقود»… جملةٌ سمعتها، ثم ظلّت تطاردني وأنا أتجول صباح اليوم الجمعة بين محطات الوقود في أم درمان أبحث عن شيء بسيط لا يحتاج عادة إلى كثير من التفكير لتر بنزين!
قلت في نفسي: لعل الأزمة انتهت ولعل المحطات عادت إلى طبيعتها ولعل البنزين صار متوفرا كما الهواء
لكن هيهات
ما إن بدأت الجولة حتى اكتشفت أن الجملة شيء والشارع شيء آخر تماماً
محطات مغلقة وأخرى بلا وقود وثالثة تقف أمامها صفوف من السيارات تمتد إلى ما لا نهاية. سيارات مصطفة في صمت وأصحابها على ظلال الاشجار القريبة أو (راكوبة ست شاي) يراقبون بعيون معلقة بالأمل بينما عقارب الساعات تمضي والمحركات مطفأة والانتظار وحده يعمل بلا توقف
وفي المحطة التي وقفت فيها كان الصف أطول من صبر أيوب
هنا لا يحتاج المواطن إلى نشرة أخبار ليعرف أن هناك أزمة يكفيه أن ينظر إلى طوابير السيارات والركشات والتكاتك أو أن يسأل سائقاً قضى ساعات ينتظر دوره.
فالأزمات يكفي أن تراها بعينيك.
والغريب في حكاية الوقود أنها ليست أزمة تقيم في مكان واحد. إنها أزمة تشبه زائراً ثقيلاً تختفي يوماً ثم تعود أياماً تهدأ قليلاً ثم تظهر من جديد وكأنها لم تغادر أصلاً
نسمع لا توجد أزمة وقود
ثم نذهب إلى المحطات فنجد الأزمة واقفة في الصف قبلنا
نسمع أن الأمور تحت السيطرة بينما المواطن يقف في طابور لا يعرف متى ينتهي ويصبح السؤالأين يوجد الوقود؟ ومتى يصل؟ وكم ساعة سنحتاج حتى نحصل عليه؟
وهذه هي المشكلة الحقيقية.
المواطن لا يريد خطابات طويلة عن وفرة الوقود ولا يريد تطمينات تُقال من خلف المكاتب هو يريد أن يصل إلى محطة الوقود يدفع ثمن لتراته ثم يغادر.
ببساطة
الأمر لم يعد متعلقاً بالسيارة وحدها. الوقود هو حركة المدينة كلها. هو المواصلات، والإسعاف، ونقل البضائع، ومولدات الكهرباء، ومخابز، وأسواق، وأعمال الناس ومصالحهم. وكل ساعة انتظار في محطة وقود تعني ساعة أخرى تتعطل فيها حياة شخص ما في مكان ما
ولذلك فإن أزمة الوقود حين تتكرر لا تبقى أزمة سلعة ولكنها تتحول إلى أزمة وقت أعصاب وأزمة ثقة
وأكثر ما يؤلم في المشهد أن المواطن صار يتعامل مع الأزمة باعتبارها أمراً طبيعياً يحمل هاتفه ويسأل عن المحطة التي وصلها الوقود ثم يتحرك إليها فإذا وجدها مغلقة عاد من حيث أتى وإذا وجدها مفتوحة، وجد الصف ينتظره ويا له من انتظار
وكأن الحصول على بضعة لترات من البنزين أصبح رحلة تحتاج إلى خريطة، وصبر وحظ
لكن السؤال الذي يفرض نفسه
إذا لم تكن هناك أزمة وقود فما الذي تفعله هذه الطوابير أمام المحطات؟
وإذا كان الوقود متوفراً فلماذا تغلق المحطات أبوابها؟
وإذا كانت المشكلة قد انتهت فلماذا تعود بهذه السرعة؟
المواطن لا يبحث عن إجابات فلسفية هو يريد إجابة واضحة يستطيع أن يبني عليها يومه وحركته وعمله أما أن يقال له (لا توجد أزمة) بينما يقف أمام محطة مغلقة فهذه ليست معالجة للأزمة بل معالجة للكلمات
لقد حفظ السودانيون على مر الازمان مقولة: الأزمة انتهت ثم يكتشفوا أن بعض الأزمات لا تنتهي، وإنما تأخذ استراحة قصيرة لتعود بعدها أكثر إزعاجاً
وفي أم درمان اليوم لا تحتاج إلى كثير من الكلام لتعرف أن شيئاً ما ليس على ما يرام يكفي أن تنظر إلىنا ونحن نصطف منتظرين
ولا نعرف هل سنصل إلى (المسدس) أم سيأتي المساء ونذهب مع الريح.
الاعتراف بالمشكلة ليست هزيمة
الهزيمة الحقيقية أن يرى الناس الأزمة بأعينهم ثم يُطلب منهم أن يصدقوا أنها غير موجودة
وفي أم درمان اليوم كان المشهد أكثر بلاغة من كل شي
صفوف طويلة طويلة طويييييلة
أما الجملة التي بدأت بها الحكاية (لا توجد أزمة وقود) فقد بقيت معلقة في الهواء…
بينما نحن تنتظر على الأرض