اخبار محلية

الجرتق.. حين تحمل الذاكرة السودانية الوطن إلى المنافي

من أم درمان إلى مصر ثم إلى السودانيين في أنحاء العالم.. مقبولة مهدي شريف تحوّل شغفها بالأحجار الكريمة إلى حرفة تحفظ طقسًا سودانيًا عابرًا للحدود

 

الجرتق، في تجربة مقبولة، أحد أشكال حفظ التراث السوداني حين تتغير الأمكنة

 

رقية الشفيع

 

من حي العباسية في أم درمان بدأت حكاية مقبولة مهدي حسين شريف مع الجرتق قبل أكثر من عشرين عامًا. كان الأمر في بدايته هواية تمارسها بمحبة، متأثرة بشغف والدتها بالأحجار الكريمة، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى حرفة ارتبطت لديها بحفظ أحد أبرز طقوس الزواج السوداني.

لمعرفة المزيد عن تجربة مقبولة الفريدة النيل الدولية، التقت الكاتبة والباحثه في مجال التراث السوداني دكتورة طيبة حسن شريف التي تحدثت قايلة:

كانت مقبولة تزيّن الحرير بالأحجار لأهلها وجيرانها وأصدقائها دون مقابل، مستمتعة باختيار الألوان وتنسيق الأحجار وإخراج القطعة في صورتها النهائية. ومع تزايد إعجاب الزوار بما تصنعه، بدأت الطلبات تصل إليها من خارج محيطها، فصارت تشتري الخامات بنفسها وتتقاضى مقابلًا يغطي تكاليف المواد والعمل.

 

لكن انتقالها إلى مصر، في ظل الحرب والنزوح، منح هذه الحرفة معنى جديدًا.

 

الجرتق في زمن النزوح

 

غادر كثير من السودانيين البلاد على عجل، ولم يتمكنوا من حمل مستلزمات الجرتق أو الأحجار التي يحتاجون إليها، غير أن ابتعادهم عن الوطن لم يُلغِ رغبتهم في إقامة مناسباتهم وفق تقاليدهم.

 

وجد هؤلاء في مقبولة من يوفر لهم ما يحتاجون إليه، لكنها لم تكتفِ بإعداد القطع، بل أخذت تشرح تفاصيل الجرتق ومراحله، وما ترتديه العروس والعريس، وكيف تُرتب المناسبة، مستعينة بالصور لتوضيح بعض الطقوس.

 

وتقول تجربتها إن الحاجة إلى هذه المعرفة ازدادت خارج السودان، حيث تفرقت الأسر، وغاب أحيانًا من ينقل تفاصيل العادات بصورة تلقائية من الأمهات والجدات إلى الأجيال الجديدة.

 

ومن هنا أصبح عملها يتجاوز صناعة الحُلي إلى نقل المعرفة المرتبطة بها؛ فالجرتق بالنسبة إليها طقس يحمل رموزًا اجتماعية وثقافية متوارثة.

 

أحجار تحمل ذاكرة

 

كان حب الأحجار الكريمة هو المدخل الأول لمقبولة إلى عالم الجرتق. ومع الوقت، توسعت قراءتها وتعرفت إلى أنواع مختلفة منها، وأصبحت تختارها وفق اللون والجودة وتناسقها مع التصميم.

 

وتستخدم في أعمالها المرجان الأحمر والفيروز وحجر الدم، إلى جانب اليسر والأونكس الأسود. وتولي اهتمامًا خاصًا بالأحجار الطبيعية، لما تضيفه من قيمة جمالية وأصالة للقطعة.

 

ويحضر الأحمر بقوة في تصميمات الجرتق، بينما يضيف الفيروز لونًا مغايرًا، وتمنح تركيبات المرجان واليسر أو الأونكس بعض القطع طابعًا أكثر فخامة، خاصة تلك المخصصة للعريس.

 

ولا تقتصر دلالات الجرتق على الحُلي؛ فبعض مكوناته ترتبط بمعانٍ متوارثة. وتضم «الكَشّة» المصاحبة له، بحسب ما تشرحه مقبولة، البلح والحلويات والعيش، وهي عناصر ارتبطت في الذاكرة الشعبية بالصحة والفرح والرزق والوفرة.

 

من مصر إلى العالم

 

لم تُبقِ المسافات الجرتق داخل نطاق السودانيين في مصر. فقد وصلت قطع مقبولة إلى سودانيين في كندا والولايات المتحدة وسويسرا وإنجلترا ودبي وغيرها، بعد أن شاهدوا الجرتق في مناسبات أقاربهم وأصدقائهم وطلبوا قطعًا مماثلة.

 

وتأخذ هذه الممارسة بُعدًا ثقافيًا إضافيًا في الزيجات التي يكون أحد طرفيها غير سوداني؛ إذ يتحول الجرتق إلى فرصة لتعريف الأسرة والأصدقاء بعادة سودانية قد لا يعرفون عنها الكثير.

 

في تلك المناسبات، تتجاور الألوان والأحجار والأغنيات مع فضول الضيوف وأسئلتهم عن الطقس ومكوناته، فيصبح الاحتفال وسيلة بسيطة لتقديم جانب من الثقافة السودانية إلى الآخرين.

 

طقس يعبر الأجيال

 

وترى مقبولة أن أهمية الجرتق لا تتوقف عند الحفاظ على مظهر تقليدي من مظاهر الزواج، وإنما تمتد إلى إبقاء المعرفة المرتبطة به حية.

 

فالسودانيون الذين نشأوا خارج البلاد، خصوصًا الأطفال والشباب، قد لا يعلمون تفاصيل الأحياء والقرى التي جاءت منها أسرهم، لكنهم يستطيعون الاقتراب من تلك الذاكرة عبر طقوس الزواج والأزياء والأغنيات والحُلي.

 

وهكذا يصبح الجرتق مساحة تلتقي فيها ذاكرة الجدات مع جيل جديد لم يعش التجربة نفسها، لكنه يستطيع أن يتعرف إليها من خلال المشاركة في المناسبة.

 

وطن يُحمل في الذاكرة

 

في ظل الحرب والنزوح، اكتسبت الطقوس الاجتماعية السودانية معنى يتجاوز الاحتفال. فالإنسان الذي غادر منزله لا يستطيع أن يحمل معه الحي أو البيت أو تفاصيل الحياة اليومية، لكنه يستطيع أن يحمل عاداته وذاكرته، وأن يعيد بناء جانب منها في المكان الذي وصل إليه.

 

ومن هذا المنظور، يمثل الجرتق إحدى الطرق التي يستعيد بها السودانيون شيئًا من وطنهم في المنافي. فعندما تجتمع الأسرة حول العروسين، وتظهر الألوان والأحجار وتتعالى الأغنيات، تعود إلى المناسبة ملامح من حياة ترك أصحابها خلفهم.

 

وبالنسبة إلى مقبولة مهدي حسين شريف، أصبحت صناعة الجرتق طريقًا للمساهمة في إبقاء هذه الذاكرة حية. فهي توفر المستلزمات، وتختار الأحجار، وتصنع القطع، وتشرح الرموز والتفاصيل، ثم ترسلها إلى أسر سودانية في بلدان مختلفة.

 

وبذلك تنتقل كل قطعة من مجرد حُلية إلى حكاية صغيرة عن السودان؛ عن عروس وأسرة وطقس وذاكرة، وعن وطن يمكن أن تبتعد عنه الأجساد، لكن تبقى ملامحه حاضرة في العادات التي يحملها الناس معهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى